السؤال
سماحة الشيخ / هل في الأوراق النقدية زكاة، ولماذا؟
الإجابة
لا يشك عارف بطبيعة البشر نفوسهم مجبولة على حب المال بدافع من حب المنفعة لأنه قوام الحياة، والقرآن الكريم ينص على ذلك في قوله تعالى: { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا[20] } ، وقوله: { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ[8] } ، وإذا كانت هذه غريزة بشرية، والإسلام الحنيف دين الفطرة، فإنه لا يصطدم معها، ولكن يوجهها الوجهة المرضية لتعود بالمنفعة والخير إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، وذلك من خلال فرض القيود والواجبات فيما يتعلق بكسب المال والانتفاع به، إذ لو تركت هذه الغريزة وشأنها لعادت قوة عارمة تسيطر على كل ما في الإنسان من هواجس إنسانية تشد الفرد إلى مجتمعه، وتجعل من المجتمع جسداً واحداً يتألم أي عضو منه، وماذا عسى أن تكون حيلة هذه الهواجس إذا هيمنت غريزة حب المال على العقل والقلب، واستحكمت في الفكر والوجدان، فأصبحت داء عضالاً ومرضاً فتاكاً يستعصي علاجه ويتعذر استئصاله، فلا يلبث الإنسان عندئذ أن يكون المال جماع، يلهث وراءه واطئاً بقدميه على جميع القيم، وملقياً وراء ظهره جميع الفضائل، غير مبال في سبيل إرواء هذا السعار المتأجج في نفسه بإتلاف الأرواح، وقطع الصلات وحل الروابط، وربما أفضى به الأمر إلى الاعتداء على أخص خاصيته، وأقرب قرابته طمعاً في احتواء تركته، وفي مثل هذه الأجواء المسممة بهذا الطبع الفتاك تنضب عواطف الرحمة، وتغور مشاعر الإحسان، فلا يرق قوي لضعيف، ولا يعطف كبير على صغير، ولا يحنو والد على ولد، ولا يجل ويبر ولد والداً، ولا يهتم قريب بقريب، وإذا بالإنسان الذي حمل أمانة الخلافة في الأرض وحش ضار أشد خطراً على بني جنسه من سباع الحيوان.
والله خالق الإنسان هو العليم بكل ما اشتمل عليه طبعه، وانطوى عليه وجوده جسماً وروحاً، قلباً وعقلاً، وجداناً وفكراً، غريزة وضميراً، فهو العليم بمنافعه الشخصية والنوعية ومضاره، وقد شرع له في دينه ما يحميه من هذه المضار ويحوط منافعه بسياج محكم من العبادات والأحكام، فلذلك شرع الله إنفاق الأموال في أبواب البر، وعلى رأس ذلك الزكاة المفروضة فيها، ففي هذا الإنفاق تحرير للنفس من سلطان حب المال إذا هي اعتادت عليه، ويشير القرآن الحكيم إلى الحكمة العالية في قوله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } فالصدقة تطهر النفس من الشح وحب الاستئثار، وتزكيها بما تغرس فيها من خصال الخير، كحب الإيثار والرحمة والشفقة، وبهذا يتماسك المجتمع المسلم متحداً في المشاعر والأحاسيس، والآمال والآلام، والمباديء والغايات، ويصدق عليه قول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ))، ولا غرو في ذلك، فإن الإسلام دين الفطرة { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } وهذا كله من دواعي الفطرة، فالناس خلقوا متفاوتين في المواهب الفطرية والكسبية، ولا غنى لأحد منهم عما اختص به غيره من زيادة موهبة، حتى تكون حياة هذا الجنس من الخلق حياة تعاونية اجتماعية لا يستقل فيها أحد بمصالحه عن بني جنسه، واختصاص الإنسان من بين سائر الكائنات في الأرض بشدة افتقاره إلى بني جنسه طبيعة ملازمة له منذ بداية وجوده، فالمولود من البشر أحوج من المواليد الأخرى إلى عظيم العناية والمبالغة في رعايته، وهذا الأثر النفسي للزكاة ليس محصوراً في نفس المزكي فحسب، بل يتجاوزها إلى نفس المنتفع بالزكاة وهو الفقير والمسكين، فإن من شأن الإحسان أن يكون ذا
أثر على نفس المحسن إليه، إذ النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فإذا دفع الغني زكاته إلى المحتاج زال ما في نفس المحتاج من السخيمة والحقد الناتجين عن شعوره بالحرمان، فتتلاحم القلوب وترتبط النفوس بعضها ببعض، والوحدة بين الأمة فقرائها وأغنيائها وأقويائها وضعفائها مطلب أساسي من مطالب الإسلام، ويظهر أثر ذلك في كل عبادة من العبادات المشروعة فيه.
أما إن ظلت الثروات تنصب في خزائن الأغنياء، ولم يكن فيها نصيب للفقراء والمعوزين، فإن ذلك داع بلا ريب إلى أن تتأجج نار الحسد في قلوب الفقراء ويطغى طوفان الحقد على صدورهم، وهو من أسباب انحلال عرى الوحدة بين، وقد يصل اكتظاظ الصدور بالحقد إلى انفجار مدمر لا يبقي ولا يذر، وهو الذي وقع فعلاً في المجتمعات التي سادها النظام الرأسمالي الجائر، وانحصرت فيها الثروات عند طائفة مخصوصة من الناس، بينما السواد الأعظم منهم يتضور جوعاً، ويعاني الشدائد، فأدى الأمر إلى انفجار أحقاد الجماهير عن ثورات حمراء أفرزت نظاماً معاكساً جهنمي الطبع يأتي على الطارف والتليد، ويلتهم الأخضر واليابس، ألا وهو النظام الشيوعي الذي ذاقت الإنسانية ويلاته ردحاً من الزمن.
ومعظم ثروة الناس في العالم المعاصر هي هذه الأوراق النقدية، التي يقضى بها المصالح، ويتبادل بها المنافع، ويشبع منها الجائع، ويكتسي بها العاري، فماذا عسى أن تكون حالة الأمة إن كانت دُولة بين الأغنياء يضاعفون رصيدهم منها في المصارف الربوية؛ لأجل امتصاص ما تبقى عند غيرهم من الثروات التي لا تكاد تذكر من قلتها؟ أليس في ذلك ما ينافي حكمة الله البالغة من مشروعية الزكاة لسد حاجات المحتاجين، ورأب صدع الأمة، وتطهير نفوس الأغنياء من الأثرة والشح، ونفوس الفقراء من البغضاء والحقد؟ أليست هذه الحالة هي التي جاء القرآن الكريم ليقضي عليها من خلال أحكامه العادلة، وقد نبه على أنها مبدأ مرفوض في الإسلام، عندما قال تعالى ـ بعد تبيان أحكام الفيء ـ { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ } أليست هذه هي الطبقية الممقوتة، والفجوة السحيقة الفاصلة بين الطبقات؟
والقرآن الكريم أفاد وجوب الزكاة في الأموال، ولم يميز بين صنف وآخر منها، بل جاء بما يفيد عموم الحكم فيها، وذلك في قوله عز وجل { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } ، فإن الأموال جمع مال، وهو كل ما يجوز تملكه والتصرف فيه، وتعريف الجنس بالإضافة كتعريفه بالتنكير في إفادة عموم الحكم، ويتأكد ذلك بصيغة الجمع، إلا أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عندما أخذها من صنوف المال التي يحتاج إليها الناس في قوام حياتهم وهي ما يدخر ويقتات به من الزروع والثمار، وكذلك الأنعام من الماشية، وإنما كانت هذه الأصناف من قوام الحياة لأن الحياة تتوقف على الأقوات، وغالب أقواتهم آنذاك من هذه الحبوب ومن بهيمة الأنعام، وأما النقدان فقد كانا وسيلة تبادل هذه المنافع وغيرها فلذلك عدّا من ضرورات الحياة، فشرعت الزكاة فيها، ومما هو جدير بالانتباه أن نفوس البشر جميعاً تتطلع إلى النقدين وإلى هذه الأصناف الأخرى أكثر من أي نوع آخر من صنوف المال، لحاجتها الملحة إليها، فكان من حكمة الله تعالى البالغة أن شرع بواسطة نبيه عليه الصلاة والسلام أخذ الزكاة من هذه الأصناف لسد حاجات الفقراء بها وفي الأخذ من هذه الأصناف دون غيرها تنبيه للناس بأن كل ما كان على صفتها فالزكاة فيه واجبة، وإنما أخذ النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الزكاة منها آنذالك لأنها وحدها هي الأموال التي كانت متوفرة عند العرب من هذا النوع، وقد ألحق علماء الأمة بحكمها كل ما كان على صفتها، فلذلك أوجبوا الزكاة في الأرز وما أشبهه من الحبوب المدخرة المقتاتة، ولم يحصروها في تلكم الأصناف بعينها.
ومما لا يرتاب فيه عاقل أن الأوراق النقدية حلت محل النقدين في الثمينة، وأن حاجة الفقراء إليها في زماننا أشد من حاجتهم إلى نفس النقدين، بل ومن حاجتهم إلى أي صنف من أصناف المال فإسقاط زكاتها يعني هدماً لهذا الركن الإجتماعي المالي من أركان الإسلام من أهم جوانبه، لأن قضاء مصالح الناس متوقف عليها.
هذا وقد أجمع المسلمون جميعاً على وجوب الزكاة في التجارة، استلهاماً لهذا الحكم من إشارات النصوص الشرعية وفهم مقاصد الشريعة، وإذا وجبت في التجارة فكيف لا تجب في وسائل الاتجار، وقد انحصرت في عصرنا هذا في هذه الأوراق وحدها، وبالجملة فإنه لا مناص عند من فهم مقاصد الشرع من القول بوجوب الزكاة في هذه الأوراق، ولا يكابر في هذا إلا جاهل متعنت.
هذا وقد استلهم جمهور الأمة ـ وفيهم أصحابنا رحمهم الله ـ وجوب الزكاة في كل ما كان من أصناف المال ينطبق عليه ذلكم الوصف الذي أشرنا إليه، وجعلوا من عمل النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بياناً للمقصود من الأموال في الآية الكريمة، لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذهب الحنفية إلى الأخذ بعموم الآية فأوجبت الزكاة ـ إذا حال الحول مع كمال النصاب ـ على كل ما يسمى مالاً نظراً إلى أن السنة لم تأت بما يفيد الحصر.
وإذا كان مقصد الشارع الحكيم في مشروعية الزكاة في الأموال ما سبق بيانه من الحكم البالغة التي تعود مصلحتها إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، سواء كانت هذه المصلحة تتعلق بتهذيب نفسه أو قضاء حاجاته، فإن هذه الحكم نفسها هي القطب الذي تدور عليه أحكام الربا، فما كان تحريم الربا إلا لكبح جماح الشهوة المالية في النفس، وإيجاد جو إنساني تسود فيه الرحمة والعطف والحنان والمودة والوئام بين أفراد الأمة أغنيائهم وفقرائهم، فالأغنياء يقضون حاجات الفقراء بالصدقات والإقراض، ولا يجعلون من تلكم الحاجات شباكاً لاصطياد أموالهم وانتزاع ثرواتهم، حتى يخرجوا منها صفر الأكف، ولم يقتصر الشارع الحكيم في تحريم الربا على جنس دون آخر، وما كان ذكره لبعض صنوف المال إلا لكون تلك الأصناف هي مدار حاجة الناس يومئذ، ولا يعني ذلك بأي وجه من وجوه الدلالة الشرعية تخصيص حكم الربا بها، والأمة فهمت من قوله عليه السلام: (( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم )) أن اتحاد الجنسين ـ أي جنس المبيع والثمن ـ موقع في الربا ـ إن لم يكن البيع يداً بيد، حتى أم علماءنا ـ رحمهم الله ـ شددوا في بيع الأجناس المتقاربة في الوصف بعضها ببعض ـ وإن لم تكن من نوع واحد ـ إلا أن يكون البيع يداً بيد، قال الإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ
ولا يباع التمر بالزبيب نسيئة الأرز بالحبوب
والسمن بالأوداك والورس بما شابهه كالزعفران فاعلما
مع أنه من المعلوم أن السمن والأوداك، والورس والزعفران لم ينص عليها بأعيانها في الحديث.
وأما ما يعتور هذه الأوراق من التذبذب في قيمتها نتيجة التضخم تارة والانكماش أخرى، فإنه لو كان له أثر شرعي على هذه الأوراق لكان ذلك الأثر هو حرمة تداولها في المعاملات لما في ذلك من الغرر، لا أن تسقط زكاتها ويباح رباها، في حين أن الناس يعتمدون عليها في قضاء مآربهم، وتبادل مصالحهم، ونجد أن الناس اليوم عالمهم وجاهلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم قد أطبقوا إطباقاً تاماً على جعل هذه الأوراق القطب الذي تدور عليه جميع معاملاتهم الخاصة والعامة، فإنهم جميعاً متواطئون على تبادلها في بيعهم وشرائهم، ودفعها في جميع المعاوضات والتخلص من التبعات، فهل تدفع اليوم ديات القتلى وأروش الجرحى وصدقات النساء، وسائر الحقوق إلا منها.
والله خالق الإنسان هو العليم بكل ما اشتمل عليه طبعه، وانطوى عليه وجوده جسماً وروحاً، قلباً وعقلاً، وجداناً وفكراً، غريزة وضميراً، فهو العليم بمنافعه الشخصية والنوعية ومضاره، وقد شرع له في دينه ما يحميه من هذه المضار ويحوط منافعه بسياج محكم من العبادات والأحكام، فلذلك شرع الله إنفاق الأموال في أبواب البر، وعلى رأس ذلك الزكاة المفروضة فيها، ففي هذا الإنفاق تحرير للنفس من سلطان حب المال إذا هي اعتادت عليه، ويشير القرآن الحكيم إلى الحكمة العالية في قوله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } فالصدقة تطهر النفس من الشح وحب الاستئثار، وتزكيها بما تغرس فيها من خصال الخير، كحب الإيثار والرحمة والشفقة، وبهذا يتماسك المجتمع المسلم متحداً في المشاعر والأحاسيس، والآمال والآلام، والمباديء والغايات، ويصدق عليه قول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ))، ولا غرو في ذلك، فإن الإسلام دين الفطرة { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } وهذا كله من دواعي الفطرة، فالناس خلقوا متفاوتين في المواهب الفطرية والكسبية، ولا غنى لأحد منهم عما اختص به غيره من زيادة موهبة، حتى تكون حياة هذا الجنس من الخلق حياة تعاونية اجتماعية لا يستقل فيها أحد بمصالحه عن بني جنسه، واختصاص الإنسان من بين سائر الكائنات في الأرض بشدة افتقاره إلى بني جنسه طبيعة ملازمة له منذ بداية وجوده، فالمولود من البشر أحوج من المواليد الأخرى إلى عظيم العناية والمبالغة في رعايته، وهذا الأثر النفسي للزكاة ليس محصوراً في نفس المزكي فحسب، بل يتجاوزها إلى نفس المنتفع بالزكاة وهو الفقير والمسكين، فإن من شأن الإحسان أن يكون ذا
أثر على نفس المحسن إليه، إذ النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فإذا دفع الغني زكاته إلى المحتاج زال ما في نفس المحتاج من السخيمة والحقد الناتجين عن شعوره بالحرمان، فتتلاحم القلوب وترتبط النفوس بعضها ببعض، والوحدة بين الأمة فقرائها وأغنيائها وأقويائها وضعفائها مطلب أساسي من مطالب الإسلام، ويظهر أثر ذلك في كل عبادة من العبادات المشروعة فيه.
أما إن ظلت الثروات تنصب في خزائن الأغنياء، ولم يكن فيها نصيب للفقراء والمعوزين، فإن ذلك داع بلا ريب إلى أن تتأجج نار الحسد في قلوب الفقراء ويطغى طوفان الحقد على صدورهم، وهو من أسباب انحلال عرى الوحدة بين، وقد يصل اكتظاظ الصدور بالحقد إلى انفجار مدمر لا يبقي ولا يذر، وهو الذي وقع فعلاً في المجتمعات التي سادها النظام الرأسمالي الجائر، وانحصرت فيها الثروات عند طائفة مخصوصة من الناس، بينما السواد الأعظم منهم يتضور جوعاً، ويعاني الشدائد، فأدى الأمر إلى انفجار أحقاد الجماهير عن ثورات حمراء أفرزت نظاماً معاكساً جهنمي الطبع يأتي على الطارف والتليد، ويلتهم الأخضر واليابس، ألا وهو النظام الشيوعي الذي ذاقت الإنسانية ويلاته ردحاً من الزمن.
ومعظم ثروة الناس في العالم المعاصر هي هذه الأوراق النقدية، التي يقضى بها المصالح، ويتبادل بها المنافع، ويشبع منها الجائع، ويكتسي بها العاري، فماذا عسى أن تكون حالة الأمة إن كانت دُولة بين الأغنياء يضاعفون رصيدهم منها في المصارف الربوية؛ لأجل امتصاص ما تبقى عند غيرهم من الثروات التي لا تكاد تذكر من قلتها؟ أليس في ذلك ما ينافي حكمة الله البالغة من مشروعية الزكاة لسد حاجات المحتاجين، ورأب صدع الأمة، وتطهير نفوس الأغنياء من الأثرة والشح، ونفوس الفقراء من البغضاء والحقد؟ أليست هذه الحالة هي التي جاء القرآن الكريم ليقضي عليها من خلال أحكامه العادلة، وقد نبه على أنها مبدأ مرفوض في الإسلام، عندما قال تعالى ـ بعد تبيان أحكام الفيء ـ { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ } أليست هذه هي الطبقية الممقوتة، والفجوة السحيقة الفاصلة بين الطبقات؟
والقرآن الكريم أفاد وجوب الزكاة في الأموال، ولم يميز بين صنف وآخر منها، بل جاء بما يفيد عموم الحكم فيها، وذلك في قوله عز وجل { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } ، فإن الأموال جمع مال، وهو كل ما يجوز تملكه والتصرف فيه، وتعريف الجنس بالإضافة كتعريفه بالتنكير في إفادة عموم الحكم، ويتأكد ذلك بصيغة الجمع، إلا أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عندما أخذها من صنوف المال التي يحتاج إليها الناس في قوام حياتهم وهي ما يدخر ويقتات به من الزروع والثمار، وكذلك الأنعام من الماشية، وإنما كانت هذه الأصناف من قوام الحياة لأن الحياة تتوقف على الأقوات، وغالب أقواتهم آنذاك من هذه الحبوب ومن بهيمة الأنعام، وأما النقدان فقد كانا وسيلة تبادل هذه المنافع وغيرها فلذلك عدّا من ضرورات الحياة، فشرعت الزكاة فيها، ومما هو جدير بالانتباه أن نفوس البشر جميعاً تتطلع إلى النقدين وإلى هذه الأصناف الأخرى أكثر من أي نوع آخر من صنوف المال، لحاجتها الملحة إليها، فكان من حكمة الله تعالى البالغة أن شرع بواسطة نبيه عليه الصلاة والسلام أخذ الزكاة من هذه الأصناف لسد حاجات الفقراء بها وفي الأخذ من هذه الأصناف دون غيرها تنبيه للناس بأن كل ما كان على صفتها فالزكاة فيه واجبة، وإنما أخذ النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الزكاة منها آنذالك لأنها وحدها هي الأموال التي كانت متوفرة عند العرب من هذا النوع، وقد ألحق علماء الأمة بحكمها كل ما كان على صفتها، فلذلك أوجبوا الزكاة في الأرز وما أشبهه من الحبوب المدخرة المقتاتة، ولم يحصروها في تلكم الأصناف بعينها.
ومما لا يرتاب فيه عاقل أن الأوراق النقدية حلت محل النقدين في الثمينة، وأن حاجة الفقراء إليها في زماننا أشد من حاجتهم إلى نفس النقدين، بل ومن حاجتهم إلى أي صنف من أصناف المال فإسقاط زكاتها يعني هدماً لهذا الركن الإجتماعي المالي من أركان الإسلام من أهم جوانبه، لأن قضاء مصالح الناس متوقف عليها.
هذا وقد أجمع المسلمون جميعاً على وجوب الزكاة في التجارة، استلهاماً لهذا الحكم من إشارات النصوص الشرعية وفهم مقاصد الشريعة، وإذا وجبت في التجارة فكيف لا تجب في وسائل الاتجار، وقد انحصرت في عصرنا هذا في هذه الأوراق وحدها، وبالجملة فإنه لا مناص عند من فهم مقاصد الشرع من القول بوجوب الزكاة في هذه الأوراق، ولا يكابر في هذا إلا جاهل متعنت.
هذا وقد استلهم جمهور الأمة ـ وفيهم أصحابنا رحمهم الله ـ وجوب الزكاة في كل ما كان من أصناف المال ينطبق عليه ذلكم الوصف الذي أشرنا إليه، وجعلوا من عمل النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بياناً للمقصود من الأموال في الآية الكريمة، لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذهب الحنفية إلى الأخذ بعموم الآية فأوجبت الزكاة ـ إذا حال الحول مع كمال النصاب ـ على كل ما يسمى مالاً نظراً إلى أن السنة لم تأت بما يفيد الحصر.
وإذا كان مقصد الشارع الحكيم في مشروعية الزكاة في الأموال ما سبق بيانه من الحكم البالغة التي تعود مصلحتها إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، سواء كانت هذه المصلحة تتعلق بتهذيب نفسه أو قضاء حاجاته، فإن هذه الحكم نفسها هي القطب الذي تدور عليه أحكام الربا، فما كان تحريم الربا إلا لكبح جماح الشهوة المالية في النفس، وإيجاد جو إنساني تسود فيه الرحمة والعطف والحنان والمودة والوئام بين أفراد الأمة أغنيائهم وفقرائهم، فالأغنياء يقضون حاجات الفقراء بالصدقات والإقراض، ولا يجعلون من تلكم الحاجات شباكاً لاصطياد أموالهم وانتزاع ثرواتهم، حتى يخرجوا منها صفر الأكف، ولم يقتصر الشارع الحكيم في تحريم الربا على جنس دون آخر، وما كان ذكره لبعض صنوف المال إلا لكون تلك الأصناف هي مدار حاجة الناس يومئذ، ولا يعني ذلك بأي وجه من وجوه الدلالة الشرعية تخصيص حكم الربا بها، والأمة فهمت من قوله عليه السلام: (( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم )) أن اتحاد الجنسين ـ أي جنس المبيع والثمن ـ موقع في الربا ـ إن لم يكن البيع يداً بيد، حتى أم علماءنا ـ رحمهم الله ـ شددوا في بيع الأجناس المتقاربة في الوصف بعضها ببعض ـ وإن لم تكن من نوع واحد ـ إلا أن يكون البيع يداً بيد، قال الإمام السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ
ولا يباع التمر بالزبيب نسيئة الأرز بالحبوب
والسمن بالأوداك والورس بما شابهه كالزعفران فاعلما
مع أنه من المعلوم أن السمن والأوداك، والورس والزعفران لم ينص عليها بأعيانها في الحديث.
وأما ما يعتور هذه الأوراق من التذبذب في قيمتها نتيجة التضخم تارة والانكماش أخرى، فإنه لو كان له أثر شرعي على هذه الأوراق لكان ذلك الأثر هو حرمة تداولها في المعاملات لما في ذلك من الغرر، لا أن تسقط زكاتها ويباح رباها، في حين أن الناس يعتمدون عليها في قضاء مآربهم، وتبادل مصالحهم، ونجد أن الناس اليوم عالمهم وجاهلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم قد أطبقوا إطباقاً تاماً على جعل هذه الأوراق القطب الذي تدور عليه جميع معاملاتهم الخاصة والعامة، فإنهم جميعاً متواطئون على تبادلها في بيعهم وشرائهم، ودفعها في جميع المعاوضات والتخلص من التبعات، فهل تدفع اليوم ديات القتلى وأروش الجرحى وصدقات النساء، وسائر الحقوق إلا منها.
المفتي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.
أسئلة مشابهة
- ما حكم وجوب الزكاة في النقود الورقية؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- ما مدى تأثير الزكاة في المجتمع المسلم؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- كيف نرد على شبهة ديمومة الفقر في الزكاة؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- لماذا لم تؤخذ الزكاة من الخيل والخضروات؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- فضل الصدقة وأفضل أنواعها مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي