السؤال
دخل رجلا المسجد ليؤدي صلاة الجمعة، ولكنه جاء متأخراً فوجد الخطيب يخطب الجمعة. فهل يصلي ركعتين تحية أم لا يستمع إلى خطبة الخطيب؟
الإجابة
الأصل في من يدخل المسجد أن يصلي تحية المسجد، كما ثبت ذلك عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلفظ الأمر وبلفظ النهي عن الجلوس قبل أن يؤدي هذه التحية، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ))، وقال ـ عليه أفضل الصلاة السلام ـ: (( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ))، وقد جاء هذا الحديث بلفظه في مسند الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ، وقد رواه الشيخان من طريق أبي قتادة ـ رضي الله تعالى عنه.
وأختلف العلماء في ما إذا كان الإمام يخطب لصلاة الجمعة ودخل داخل، هل يصلي ركعتين أم لا؟ مع أتفاق الجميع على أن الإنسان لو كان داخل المسجد من أول الأمر، وشرع الخطيب في الخطبة، يمنع في ذلك الحال أن يصلي شيئاً من الصلوات، والخلاف في هذه المسألة على أقوال متعددة:
القول الأول: المنع مطلقاً:
فقد ذهب إلى المنع مطلقاً جماعة من العلماء، فقد نسب إلى كل من الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي، كما ينسب إلى أكثر السلف من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة وقتادة وشريح الكندي وعروة وجماعة آخرين من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، ونسبه الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ إلى المذهب.
القول الثاني: الإباحة:
وذهب إلى القول بالإباحة، بل إلى أطلاق ندبية هذه الصلاة لمن دخل المسجد ولو كان الإمام يخطب جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدري، وروي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، وهو القول الذي قال به أكثر المحدثين، وذهب إليه الإمام الشافعي وأحمد، ومال إليه بعض الميل أبو سعيد الكدمي ـ رحمه الله تعالى.
القول الثالث:
تخيير الداخل إذا دخل المسجد والإمام يخطب بين الجلوس وأداء تحية المسجد، وهذا القول نسبه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في المعارج إلى بعض أصحابنا وبعض أصحاب المذاهب الأخرى.
القول الرابع:
وفيه تفصيل، فإن كان الإمام توقف هنيهة ليصلي داخل صلى وإلا جلس، حكاه الشيخ إسماعيل في قناطره عن بعض أصحابنا.
القول الخامس:
إذا صلى الإنسان في بيته قبل أن يذهب إلى المسجد، ثم ذهب ووجد الإمام يخطب لم يكن له أن يصلي، وأما إذا لم يصلى في بيته فلا مانع من الصلاة ولو كان الإمام يخطب، وهذا القول للأوزاعي، وحكاه الشوكاني عن صاحب المنتقى.
وإذا جئنا إلى استعراض الأدلة وجدنا أصحاب كل قول من هذه الأقوال يستدلون بدليل قوي كان الدليل أو ضعيف، واكتفي هنا بذكر أدلة القولين الأول والثاني.
فالذين يقولون بالمنع مطلقاً يستدلون بأدلة منها:
1. ... قول الحق سبحانه وتعالى: { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } ولا ريب أن الخطبة تشتمل على كثير من الآيات القرآنية.
2. ... قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: (( إذ قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ))، فإذا كان الإنسان يمنع أن يقول لصاحبه والإمام يخطب أنصت، مع أن في ذلك أمراً بمعروف ونهياً عن منكر، فالأولى أن يمنع من الصلاة، لأن الصلاة تتنافى مع الإنصات لخطبة الخطيب.
3. ... ما رواه الطبراني عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام )).
4. ... ما رواه النسائي وأبو داود أن رجلاً جاء إلى المسجد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخطبة، وكان الرجل يتخطى الرقاب، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( اجلس فقد آذيت ))، ولم يأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصلي.
وقد تعقبت هذه الأدلة بالآتي:
1. ... أما الآية الكريمة فقد قالوا فيها: أنها ليست نصاً في الموضوع، إذ ليست الخطبة كلها قرآنا، وكذلك فإن المعومات تخصص بكثير من المخصصات، وقد خصص عموم هذه الآية الكريمة بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام ولو كان الإمام يقرأ، إذ قال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كما جاء في الحديث الذي رواه الربيع ـ رحمه الله ـ: (( لا تفعلوا إلا بأم القرآن )).
2. ... أما الدليل الثاني فقد ردّ عليه: بأن مصّلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، فقد جاء في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال: (( يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ )) فأطلق على القول سراً السكوت.
3. ... وأما الدليل الثالث فقد تعقب بأن الحديث ضعيف، لأن من رواته أيوب بن نهيب، وهو ضعيف، ضعفه أبو حاتم وأبوزرعة، وأقر تضعيفه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، والشوكاني في نيل الأوطار.
4. ... وأجابوا عن الدليل الرابع بأنه واقعة عين، ولعل تلك القصة وقعت قبل مشروعية تحية المسجد، ومن المحتمل أن يكون الرجل قد صلى ثم أخذ يتخطى الرقاب ليقترب من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسمع خطبته، كما يحتمل أن يكون أمره ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إياه بالجلوس لأجل بيان جواز ترك تحية المسجد، ولقد أضاف ابن جزم في المحلى جواباً آخر إلى هذه الأجوبة، وهو أن الحديث ضعيف لأجل أنه من رواية معاوية بن صالح وهو غير ثقة، ولكن رد عليه المعلق على المحلى العلامة المحدث أحمد محمد شاكر إذ قال: إن الحديث صحيح، والرجل الذي ضعفه ابن حزم هو ثقة، وثقه غير واحد من أئمة الحديث، وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن ابن خزيمة وغيره من أئمة الحديث قد صححوا هذا الحديث وعلى كل فهو حديث فيه ما فيه من الاحتمال، على أن ترك أمر الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لذلك الرجل أن يصلي ركعتين يحتمل أن يكون بسبب أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد شاهد منه الإيذاء، فأمره أن يجلس، واستحب له الجلوس من صلاة ركعتين مع إيذائه للناس، ويحتمل أن يكون أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجلوس مع شرط الصلاة.
والذين قالوا باستحباب صلاة الركعتين أثناء الخطبة استدلوا بأدلة منها:
1. ... الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث، عن جابر بن عبد الله أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، فقال له: (( هل صليت؟ ))، فقال له: لا، قال له: (( قم فصل ))، ولقد جاء بيان اسم هذا الرجل في رواية لمسلم أنه سليك الغطفاني، وجاء في بعض روايات مسلم أن الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال للرجل: (( هل صليت ركعتين؟ )) قال: لا، قال: (( قم فصلهما )) وفي رواية (( قم فاركعهما )) وجاء في رواية أخرى أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين ))، وأخرج هذه الرواية مسلم من طريق جابر بن عبد الله، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري وغيره من أئمة الحديث أن الحديث متفق عليه.
ولقد أجاب المانعون بكثير من الأجوبة منها:
1. ... أن القضية واقعة حال، ويحتمل أن يكون ذلك الأمر خاصاً بسليك، ويؤيد ذلك أن أصحاب السنن وغيرهم رووا عن ابي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، وكان على حالة بزة فأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين وحض له على الصدقة، وجاء في رواية لأحمد ابي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: (( إن هذا الرجل دخل المسجد وهو في حالة بزة، فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجوا أن يفطن له رجلاً فيتصدق عليه ))، وأيدوا ذلك برواية ذكرها ابن حبان أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال لذلك الرجل: (( لا تعودن لمثل هذا ))، وذكر ذلك أيضاً ابن بركة في جامعه، قال إن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أمر الرجل أن لا يعود لمثل ذلك.
ولكن تعقبت هذه المناقشة كلها بأن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ لم يقصد مجرد الحث على التصدق على ذلك الرجل، وإنما قصد مع ذلك مشروعية الصلاة، والدليل على هذا رواية مسلم التي تنص على أن كل من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب يشرع له أن يصلي ركعتين، ويؤيده أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كرر الأمر لسليك الغطفاني بالصلاة مرتين أو ثلاثا، كما في رواية أحمد وابن حبان والنسائي وغيره من أئمة الحديث.
2. ... أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطع خطبته لما دخل سليك وانتظره حتى يتم صلاته، ولكن تعقب ذلك بما ثبت في بعض الروايات عن ابي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن سليكا كان يصلي والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستمراً على خطبته.
3. ... أن أولئك المعترضين على الاستدلال على بهذه الرواية قالوا: أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أمر سليكا بأداء ركعتين أنقطع عن خطبته، وفي وقت الانقطاع سقط عن سليك فرض الإنصات، ولما سقط عنه فرض الإنصات صحت له الصلاة.
وقال ابن العربي: إن هذا الجواب هو أقوى الأجوبة، وتعقب ذلك الحافظ العسقلاني في فتح الباري بأنه من أضعف الأجوبة، فإن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدما أمر سليكا عاد إلى الخطبة، وكان سليك يصلي والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب.
4. ... أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر سليكا بالصلاة قبل أن يشرع في الخطبة، لما جاء في رواية الليث في حديث جابر عن مسلم (( إن الرجل دخل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاعد على المنبر )).
وأجيب بأن هذا القعود يحتمل أن يكون بين الخطبتين، مع أن ذلك القعود لا يتسع لمقدار ركعتين، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستمر بعده في الخطبة الثانية، ويكون بذلك سليك مؤدياً للركعتين في أثناء أداء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للخطبة الثانية، على أن الرواية يحتمل أن تكون من باب التجوز، لأن معظم الروايات ناصة على أن الرجل دخل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب.
5. ... إن الداخل إذا دخل والإمام يصلي سقطت عنه تحية المسجد، والخطبة صلاة. وأجيب بأن الخطبة ليست بصلاة، لما هنالك من الفارق بين الخطبة وبين الصلاة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل به المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما فقال: (( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ))، ولم يقل ذلك في حال الخطبة بل أمرهم فيها بالصلاة.
6. ... إن الإمام تسقط عنه سنة التحية، لأنه إذا دخل جلس على المنبر فكذلك المأموم.
وأجيب: بأنه قياس مع النص، والقياس مع النص لا يعول عليه، وأيضاً فإنه قياس مع الفارق لأن الإمام عندما يدخل يشتغل بالخطبة وجلوسه على المنبر يعتبر من مقدمات الخطبة، كما ثبت ذلك عن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام.
7. ... ما قاله بعض المالكية من أهل المدينة كانوا لا يصلون تحية المسجد في حال الخطبة، والحديث الأحادي عندهم يرد لمخالفة أهل المدينة له.
وأجيب بأنه لا نسلم أن الحديث الآحادي يرد إذا خالفه أهل المدينة في العمل، وإنما ذلك رأي للمالكية، وليس بمجمع عليه عند المسلمين، وأن أبا سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ من أهل المدينة، وقد صلى هاتين الركعتين، ولما أرادت شرطة مروان أن تمنعه من ذلك قال: لم أكن لأدعهما وقد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر بهما.
8. ... أن هذا الرجل يحتمل أن يكون قد ترك فريضة من الفرائض وفاتته الفريضة، وقد كوشف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك، ولذلك أمره أن يصلي ركعتين قضاء لهذه الفريضة.
ورد هذا: بأنه تكلف في التأويل، مع أن الظاهر خلاف ذلك، إذ حديث جابر بن عبد الله الذي ينص على أن من دخل المسجد والإمام يخطب يؤمر أن يصلي ركعتين يرد كل الرد على هذا التأويل، مع أنه مردود أيضاً بما ثبت أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر سليكا بذلك مرة بعد هذه المرة أو مرتين بعدها، ولم يكن في كل أحواله هذه تاركاً لفريضة أن لو صح ما يقولون. وبالجملة فإنه يتضح من هذا البحث أن الحجة التي يعتمد عليها القائلون باستحباب الركعتين هي من أقوى الحجج وأظهرها، ولقد قال الإمام أبو سعيد ـ رحمه الله تعالى ـ: وإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر الرجل بذلك وثبت عنه ذلك فلا ينبغي العدول عنه، مع أن كثيراً من الأدلة تقتضي استحباب صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، ولا يبعد أن يقال بتأكيد هاتين الركعتين، وإسقاطهما يحتاج إلى دليل، ولقد تعقب الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري نقول الناقلين عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يمنعون هاتين الركعتين في حال أداء الخطبة وقال لم أجد ذلك صريحاً عن أحد من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولقد بسط المقال في ذلك في شرح حديث جابر بن عبد الله في صحيح البخاري، ومن أراد الاطلاع على كلامه فليرجع إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق.
وأختلف العلماء في ما إذا كان الإمام يخطب لصلاة الجمعة ودخل داخل، هل يصلي ركعتين أم لا؟ مع أتفاق الجميع على أن الإنسان لو كان داخل المسجد من أول الأمر، وشرع الخطيب في الخطبة، يمنع في ذلك الحال أن يصلي شيئاً من الصلوات، والخلاف في هذه المسألة على أقوال متعددة:
القول الأول: المنع مطلقاً:
فقد ذهب إلى المنع مطلقاً جماعة من العلماء، فقد نسب إلى كل من الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي، كما ينسب إلى أكثر السلف من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة وقتادة وشريح الكندي وعروة وجماعة آخرين من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، ونسبه الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ إلى المذهب.
القول الثاني: الإباحة:
وذهب إلى القول بالإباحة، بل إلى أطلاق ندبية هذه الصلاة لمن دخل المسجد ولو كان الإمام يخطب جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدري، وروي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، وهو القول الذي قال به أكثر المحدثين، وذهب إليه الإمام الشافعي وأحمد، ومال إليه بعض الميل أبو سعيد الكدمي ـ رحمه الله تعالى.
القول الثالث:
تخيير الداخل إذا دخل المسجد والإمام يخطب بين الجلوس وأداء تحية المسجد، وهذا القول نسبه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في المعارج إلى بعض أصحابنا وبعض أصحاب المذاهب الأخرى.
القول الرابع:
وفيه تفصيل، فإن كان الإمام توقف هنيهة ليصلي داخل صلى وإلا جلس، حكاه الشيخ إسماعيل في قناطره عن بعض أصحابنا.
القول الخامس:
إذا صلى الإنسان في بيته قبل أن يذهب إلى المسجد، ثم ذهب ووجد الإمام يخطب لم يكن له أن يصلي، وأما إذا لم يصلى في بيته فلا مانع من الصلاة ولو كان الإمام يخطب، وهذا القول للأوزاعي، وحكاه الشوكاني عن صاحب المنتقى.
وإذا جئنا إلى استعراض الأدلة وجدنا أصحاب كل قول من هذه الأقوال يستدلون بدليل قوي كان الدليل أو ضعيف، واكتفي هنا بذكر أدلة القولين الأول والثاني.
فالذين يقولون بالمنع مطلقاً يستدلون بأدلة منها:
1. ... قول الحق سبحانه وتعالى: { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } ولا ريب أن الخطبة تشتمل على كثير من الآيات القرآنية.
2. ... قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: (( إذ قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ))، فإذا كان الإنسان يمنع أن يقول لصاحبه والإمام يخطب أنصت، مع أن في ذلك أمراً بمعروف ونهياً عن منكر، فالأولى أن يمنع من الصلاة، لأن الصلاة تتنافى مع الإنصات لخطبة الخطيب.
3. ... ما رواه الطبراني عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام )).
4. ... ما رواه النسائي وأبو داود أن رجلاً جاء إلى المسجد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخطبة، وكان الرجل يتخطى الرقاب، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( اجلس فقد آذيت ))، ولم يأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصلي.
وقد تعقبت هذه الأدلة بالآتي:
1. ... أما الآية الكريمة فقد قالوا فيها: أنها ليست نصاً في الموضوع، إذ ليست الخطبة كلها قرآنا، وكذلك فإن المعومات تخصص بكثير من المخصصات، وقد خصص عموم هذه الآية الكريمة بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام ولو كان الإمام يقرأ، إذ قال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كما جاء في الحديث الذي رواه الربيع ـ رحمه الله ـ: (( لا تفعلوا إلا بأم القرآن )).
2. ... أما الدليل الثاني فقد ردّ عليه: بأن مصّلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، فقد جاء في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال: (( يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ )) فأطلق على القول سراً السكوت.
3. ... وأما الدليل الثالث فقد تعقب بأن الحديث ضعيف، لأن من رواته أيوب بن نهيب، وهو ضعيف، ضعفه أبو حاتم وأبوزرعة، وأقر تضعيفه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، والشوكاني في نيل الأوطار.
4. ... وأجابوا عن الدليل الرابع بأنه واقعة عين، ولعل تلك القصة وقعت قبل مشروعية تحية المسجد، ومن المحتمل أن يكون الرجل قد صلى ثم أخذ يتخطى الرقاب ليقترب من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسمع خطبته، كما يحتمل أن يكون أمره ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إياه بالجلوس لأجل بيان جواز ترك تحية المسجد، ولقد أضاف ابن جزم في المحلى جواباً آخر إلى هذه الأجوبة، وهو أن الحديث ضعيف لأجل أنه من رواية معاوية بن صالح وهو غير ثقة، ولكن رد عليه المعلق على المحلى العلامة المحدث أحمد محمد شاكر إذ قال: إن الحديث صحيح، والرجل الذي ضعفه ابن حزم هو ثقة، وثقه غير واحد من أئمة الحديث، وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن ابن خزيمة وغيره من أئمة الحديث قد صححوا هذا الحديث وعلى كل فهو حديث فيه ما فيه من الاحتمال، على أن ترك أمر الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لذلك الرجل أن يصلي ركعتين يحتمل أن يكون بسبب أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد شاهد منه الإيذاء، فأمره أن يجلس، واستحب له الجلوس من صلاة ركعتين مع إيذائه للناس، ويحتمل أن يكون أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجلوس مع شرط الصلاة.
والذين قالوا باستحباب صلاة الركعتين أثناء الخطبة استدلوا بأدلة منها:
1. ... الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث، عن جابر بن عبد الله أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، فقال له: (( هل صليت؟ ))، فقال له: لا، قال له: (( قم فصل ))، ولقد جاء بيان اسم هذا الرجل في رواية لمسلم أنه سليك الغطفاني، وجاء في بعض روايات مسلم أن الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال للرجل: (( هل صليت ركعتين؟ )) قال: لا، قال: (( قم فصلهما )) وفي رواية (( قم فاركعهما )) وجاء في رواية أخرى أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين ))، وأخرج هذه الرواية مسلم من طريق جابر بن عبد الله، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري وغيره من أئمة الحديث أن الحديث متفق عليه.
ولقد أجاب المانعون بكثير من الأجوبة منها:
1. ... أن القضية واقعة حال، ويحتمل أن يكون ذلك الأمر خاصاً بسليك، ويؤيد ذلك أن أصحاب السنن وغيرهم رووا عن ابي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب، وكان على حالة بزة فأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين وحض له على الصدقة، وجاء في رواية لأحمد ابي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: (( إن هذا الرجل دخل المسجد وهو في حالة بزة، فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجوا أن يفطن له رجلاً فيتصدق عليه ))، وأيدوا ذلك برواية ذكرها ابن حبان أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال لذلك الرجل: (( لا تعودن لمثل هذا ))، وذكر ذلك أيضاً ابن بركة في جامعه، قال إن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أمر الرجل أن لا يعود لمثل ذلك.
ولكن تعقبت هذه المناقشة كلها بأن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ لم يقصد مجرد الحث على التصدق على ذلك الرجل، وإنما قصد مع ذلك مشروعية الصلاة، والدليل على هذا رواية مسلم التي تنص على أن كل من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب يشرع له أن يصلي ركعتين، ويؤيده أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كرر الأمر لسليك الغطفاني بالصلاة مرتين أو ثلاثا، كما في رواية أحمد وابن حبان والنسائي وغيره من أئمة الحديث.
2. ... أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطع خطبته لما دخل سليك وانتظره حتى يتم صلاته، ولكن تعقب ذلك بما ثبت في بعض الروايات عن ابي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن سليكا كان يصلي والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستمراً على خطبته.
3. ... أن أولئك المعترضين على الاستدلال على بهذه الرواية قالوا: أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أمر سليكا بأداء ركعتين أنقطع عن خطبته، وفي وقت الانقطاع سقط عن سليك فرض الإنصات، ولما سقط عنه فرض الإنصات صحت له الصلاة.
وقال ابن العربي: إن هذا الجواب هو أقوى الأجوبة، وتعقب ذلك الحافظ العسقلاني في فتح الباري بأنه من أضعف الأجوبة، فإن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدما أمر سليكا عاد إلى الخطبة، وكان سليك يصلي والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب.
4. ... أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر سليكا بالصلاة قبل أن يشرع في الخطبة، لما جاء في رواية الليث في حديث جابر عن مسلم (( إن الرجل دخل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاعد على المنبر )).
وأجيب بأن هذا القعود يحتمل أن يكون بين الخطبتين، مع أن ذلك القعود لا يتسع لمقدار ركعتين، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستمر بعده في الخطبة الثانية، ويكون بذلك سليك مؤدياً للركعتين في أثناء أداء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للخطبة الثانية، على أن الرواية يحتمل أن تكون من باب التجوز، لأن معظم الروايات ناصة على أن الرجل دخل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب.
5. ... إن الداخل إذا دخل والإمام يصلي سقطت عنه تحية المسجد، والخطبة صلاة. وأجيب بأن الخطبة ليست بصلاة، لما هنالك من الفارق بين الخطبة وبين الصلاة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل به المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما فقال: (( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ))، ولم يقل ذلك في حال الخطبة بل أمرهم فيها بالصلاة.
6. ... إن الإمام تسقط عنه سنة التحية، لأنه إذا دخل جلس على المنبر فكذلك المأموم.
وأجيب: بأنه قياس مع النص، والقياس مع النص لا يعول عليه، وأيضاً فإنه قياس مع الفارق لأن الإمام عندما يدخل يشتغل بالخطبة وجلوسه على المنبر يعتبر من مقدمات الخطبة، كما ثبت ذلك عن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام.
7. ... ما قاله بعض المالكية من أهل المدينة كانوا لا يصلون تحية المسجد في حال الخطبة، والحديث الأحادي عندهم يرد لمخالفة أهل المدينة له.
وأجيب بأنه لا نسلم أن الحديث الآحادي يرد إذا خالفه أهل المدينة في العمل، وإنما ذلك رأي للمالكية، وليس بمجمع عليه عند المسلمين، وأن أبا سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ من أهل المدينة، وقد صلى هاتين الركعتين، ولما أرادت شرطة مروان أن تمنعه من ذلك قال: لم أكن لأدعهما وقد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر بهما.
8. ... أن هذا الرجل يحتمل أن يكون قد ترك فريضة من الفرائض وفاتته الفريضة، وقد كوشف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك، ولذلك أمره أن يصلي ركعتين قضاء لهذه الفريضة.
ورد هذا: بأنه تكلف في التأويل، مع أن الظاهر خلاف ذلك، إذ حديث جابر بن عبد الله الذي ينص على أن من دخل المسجد والإمام يخطب يؤمر أن يصلي ركعتين يرد كل الرد على هذا التأويل، مع أنه مردود أيضاً بما ثبت أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر سليكا بذلك مرة بعد هذه المرة أو مرتين بعدها، ولم يكن في كل أحواله هذه تاركاً لفريضة أن لو صح ما يقولون. وبالجملة فإنه يتضح من هذا البحث أن الحجة التي يعتمد عليها القائلون باستحباب الركعتين هي من أقوى الحجج وأظهرها، ولقد قال الإمام أبو سعيد ـ رحمه الله تعالى ـ: وإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر الرجل بذلك وثبت عنه ذلك فلا ينبغي العدول عنه، مع أن كثيراً من الأدلة تقتضي استحباب صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، ولا يبعد أن يقال بتأكيد هاتين الركعتين، وإسقاطهما يحتاج إلى دليل، ولقد تعقب الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري نقول الناقلين عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم كانوا يمنعون هاتين الركعتين في حال أداء الخطبة وقال لم أجد ذلك صريحاً عن أحد من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولقد بسط المقال في ذلك في شرح حديث جابر بن عبد الله في صحيح البخاري، ومن أراد الاطلاع على كلامه فليرجع إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق.
المفتي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.
أسئلة مشابهة
- هل يجب صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- تحية المسجد عند قيام الإمام للجمعة مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الترديد مع مؤذن الجمعة وتحية المسجد الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- ما حكم صلاة الداخل أثناء خطبة الجمعة؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي