كيف تجب الكفارة في قتل الجماعة؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الكفارات 2026-06-19

السؤال

إذا اشترك جماعة في القتل كيف تجب عليهم الكفارة ؟

الإجابة

اختلف العلماء في جماعة تشترك في قتل معصوم الدم خطأ أو عمداً – على القول بوجوب الكفارة في قتل العمد – فقيل على كل واحد منهم كفارة ، وهو قول الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العُكلى ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي ، وعليه أكثر أصحابنا ، فقد جاء في الأثر عنهم أن المرأة إذا أمرت رجلاً أن يضرب لها خادمتها فضربها فماتت فعليهما الكفارة جميعاً يعتق كل واحد رقبة ، فإن لم يقدرا على العتق صام كل واحد شهرين متتابعين .. الخ ، وجاء في بعض آثارهم أيضاً : أن السيد إذا أمر بضرب عبده فمات من ذلك فعلى السيد كفارة ، وعلى كل واحد ممن قتله كفارة ، وكذلك من أمر به ، وقيل بل عليهم جميعاً كفارة واحدة ، وهو محكيٌّ عن الأوزاعيّ ونسب إلى أبي ثور ، وقيل بالتفريق بين العتق والصيام فإن وجدوا ما يعتقون اشتركوا جميعاً في تحرير رقبة ، وإلا فعلى كل واحدٍ منهم أن يصوم شهرين متتابعين ، وهو المحكيّ عن الزهري حيث قال في جماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلاً : عليهم كلهم عتق رقبة ، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين ، وهذا التفصيل محكيٌّ عن أبي المؤثر – رحمه الله تعالى – من أصحابنا ، وأرى أن هذا الاختلاف مبنيٌّ على اختلافهم في أصل وجوب هذه الكفارة ، فقيل : وجبت تمحيصاً وطهوراً لذنب القاتل ، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم ، وقيل : وجبت بدلاً من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل فإنه كان له في نفسه حق ، وهو التنعّم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء ، وكان لله سبحانه فيه حق ، وهو أنه كان عبداً من عباده ، يجب له من اسم العبودية – صغيراً كان أو كبيراً حرّاً كان أو عبداً مسلماً كان أو ذميّاً – ما يتميز به عن البهائم والدواب ، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه ، فلم يخلُ قاتله من أن يكون فوت الاسم الذي ذكر ، والمعنى الذي وصف .
فبناءً على مراعاة أصل وجوبها في القول الأول يترجح القول بوجوب كفارة مستقلة على كل مشارك في القتل لأن كلاً منهم كان منه التفريط في الاحتياط والتحفظ الذي وجبت بسببه الكفارة ، وبناءً على مراعاة أصل الوجوب في القول الثاني يترجح عدم وجوب غير كفارة واحدة على الجميع لأن معنى ما ذكر إنما هو في نفس واحدة ؛ فلا أثر لتعدد الذين كانوا سبباً لزهوقها – بما كان من إهمالهم وعدم احتياطهم من أجل سلامتها – في فوات المنافع المشار إليها منها حتى يتوجب على كلٍ منهم الاستقلال بتبعة ذلك.
أما الذين فرقوا بين العتق والصيام فلعلهم بنوا هذه التفرقة على مراعاة أن العتق عبادة مالية ، تحيي بها نفس إحياءً معنوياً بدلاً من النفس الفائتة بقتل الخطأ ، وذلك بتحريرها من ربقة العبودية ، فكان الأنسب أن تجزي فيها رقبة واحدة لحصول الغرض بها ، أما الصيام فهو بخلاف ذلك ، لأن أثره إنما هو على الصائم بنفسه وكان كل من وقع في هذا الخطأ حقيقاً بأن يحرص على هذا الأثر لمحو أثر هذا الخطأ الذي ارتكبه في نفسه ، فلذلك قالوا بوجوب استقلال كل واحد منهم بصوم شهرين متتابعين .
هذا ولا ريب أن رأي الجمهور أحوط وأسلم وأورع ، ولكن الفتيا إنما تُبنى على الدليل الأرجح والذي يرجح عندي في هذا بالدليل هو قول من أوجب على الجميع كفارة واحدة سواءً كانت عتقاً أو صياماً ودليله أمران :
أولهما : النص وهو قوله تعالى : " ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمن "(1) حيث أوجب الله في قتل المؤمن خطأ تحرير رقبة مؤمنة لا أكثر ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القتل صادراً من واحد أو من جماعة ، فإن " من " تصدق على الجماعة كما تصدق على الواحد – كما هو معلوم – فإن قيل : بأن معنى الآية أن هذا الحكم ينطبق على كل من صدق عليه أنه قاتل خطأ ولو باشتراك مع غيره فيجب على كل واحد من الجماعة أن يعتق بنفسه رقبة استقلالاً وكذلك في الصيام قلت : هذا منقوض بالدية فإنها لا تجب عليهم إلا دية نفس كيفما كان عددهم ، واللفظ الذي أفاد وجوب الدية هو الذي أفاد وجوب الكفارة فكيف يفرق بين حكميهما ؟ مع أنها عطفت على الكفارة وللمعطوف والمعطوف عليه حكم واحد فيما سيق من أجله إلا إن خص الدليل أحدهما بحكم .
ثانيهما : القياس على وجوب الدية ، ووجه القياس أن كلاً منهما إنما واجب من أجل تلك النفس المقتولة ، وقد أجمع الكل على أنه لا تجب في النفس الواحدة إلا دية واحدة ، ولو تعدد الذين كانوا السبب في زهوقها ، وأن الدية حق المخلوق والكفارة حق الله ولو كان فيها نفع للعباد إن كانت عتقاً ، والله أولى بأن يعفو فلا يكون ما له مبنياً على التشديد وما لعباده مبنياً على التيسير .
فإن قيل : يفرق بين الكفارة والدية ، من حيث إن الكفارة إنما تجب على نفس القاتل ودية الخطأ تجب على العاقلة ، لذلك تباين حكمهما فلا تقاس إحداهما على الأخرى.
__________
(1) الآية رقم ( 92 ) من سورة النساء .
قلت : لا يُسوَّغ هذا تبايناً في حكمهما ، من حيث إيجاب التعدد في أحدهما دون الآخر ، لأن أصل وجوبهما واحد بنص واحد ، ولو كان وجوب الكفارة على نفس القاتل ، ووجوب الدية على عاقلته ، على أن ذمة القاتل لا تبرأ من دية القتل الخطأ حتى تسلمها العاقلة فهب أن أحداً ممن كان منه قتل الخطأ لا عاقلة له ، أو له عاقلة لا تملك ما تدي(1) به قتيله ألا يجب عليه أن يديه ؟ ثم إن ما على الأفراد أولى بالتخفيف مما على الجماعة .
وإذا تبين لك هذا فاعلم أن الواجب على الجماعة إن اشتركوا في قتل معصوم الدم خطأ أن يعتقوا رقبة واحدة يشتركون في ثمنها بقدر منابهم في الدية ، وإن لم يجدوها فعليهم صيام شهرين متتابعين ، يتقاسمون أيامهما بعددهم ، فيفطر هذا مع صيام هذا ، بحيث لا يكون بين صيامهم فصل كما هو الشأن في صيام الفرد ، فإن اختلفوا فليقترعوا ، هذا ما تبين لي بعد استفراغي الوسع في هذه المسألة فإن كان صواباً فمن الله ، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان ، واستغفر الله من كل ما خالفت فيه الحق جملة وتفصيلاً ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
__________
(1) تدي : تدفع الدية الواجبة عليه .

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي