كنت أعاني من ذنوب الخلوات فسمعت بعض العلماء يقولون إن أذكار الصباح والمساء وأذكار ما بعد الصلاة تقيك من الوقوع في المعاصي، فالتزمت هذه الأذكار ودعوت الله أن يثبتني، ولله الحمد توقفت فترة طويلة، ولكن في بعض الأحيان عندما أخلو بنفسي أرتكب ذنوب الخلوات، فما الحل؟
الإجابة
المعاصي دائما هي أمر قد يكون محببا إلى النفس في بعض الأحيان، لكن الأصل في مثل حال هذا الأخ السائل هنا أنه مبغض للمعاصي ولا يحبها لكن لا يشعر بنفسه إلا أنه يقارفها ويأتيها، هذه الأذكار التي يأتي بها هي معينة ولا شك في طريق بعده عن المعاصي وتوبته منها وألا يرجع إليها، لكن مع ذلك كله مع الأذكار والأدعية التي يحرص الإنسان عليها لابد من أن يسوس كل واحد منا نفسه لأن النفس لا تأتي المعاصي -والمعصية درك ونكوص ورجوع- النفس لا تأتيها إلا في ظروف معينة لربما كانت بعض الأحوال النفسية تعين عليها، بمعنى أنك تجد بعض المعاصي من قبل بعض الناس مع أنهم مستغنون عنها وغير محتاجين إليها، فالمتزوج مثلا ما باله يطلق بصره إلى المحرمات؟ المتزوج مثلا ما باله يأتي الزنا عياذا بالله تعالى أيضا؟ الذي يعيش في أسرة وهو مستقر وآمن ما باله يشرب الخمر ويعاقرها؟ كذلك الذي منّ الله تعالى عليه براتب شهري يكفي حاجته وحاجة عياله ما باله يسرق من المال العام أو يسرق من أموال الآخرين؟ هؤلاء كلهم يأتون هذه المعاصي وفي غالب الأمر أنهم لا يريدونها لكن هنالك منعطفات نفسية معينة يمرون بها هي التي تذكرهم بالمعصية وهي التي تحملهم على أن يرجعوا إليها، والإنسان لابد من أن يتلفت لنفسه تلفت البصير بها حتى ينقذها من حر نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. يخبرني أحدهم أنه كلما شقي وتعب ولم يرتح جسده مارس معاصي معينة بذاتها يعرفها نفسه ربطت بين تعبه هذا وهذه المعصية، يقول إنه لا يريدها ويستغفر الله تعالى منها ولربما بكى وهو يعاقر هذه المعصية. هذا حال من شخص لا يريد المعصية ولا يريد الوقوع فيها لكنه مع ذلك ما سعى إلى أن يجنب نفسه الأحوال والظروف التي تحمله على أن يأتي المعصية، ومن أجل هذا الاستغفار وحده والاستعاذة بالله سبحانه وتعالى -هذه الاستعاذة بالله هي من أقوى الأسباب- لكن مع ذلك لابد من جهد بدني وذاتي تمارسه مع ذاتك حتى يجنبك الله تعالى الوقوع في المعاصي. في بعض الأحيان بعض المعاصي مربوطة ببعض قرناء السوء، إذا ما الفائدة في أن تبقى مع هؤلاء؟ غادر هؤلاء ولا تبق معهم لحظة واحدة فما بينك وبين الله تعالى أعظم من أن تذهبه لأجل فلان أو فلان من الناس ولو كان هذا قريبا، فالأمر لله تعالى قبل أن يكون لأحد من الناس مهما كان الأمر. كلنا نرى الأحوال الناس يغادرون هذه الحياة فهل تريد أن تغادرها وأنت على معصية إكراما لفلان أو فلان من الناس؟ غادر هؤلاء كلهم. ربما تكون بعض المعاصي بسبب القرناء هؤلاء وربما تكون أيضا بعض المعاصي بسبب بعض الأعمال التي يأتيها الإنسان فتذكره بالمعصية اتركها. المعصية لابد لها من ظرف نفسي تأتي فيه تلفت لنفسك ولتترك المعصية وحينما يكون هنالك سبب لهذه المعصية إياك ثم إياك أن تقترفه. هؤلاء يحبون الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال ذلك الرجل الذي شرب الخمر فجلده إقامة للحد فسبه أحد الصحابة -سبه خالد بن الوليد- فنهاه عن سبه وأخبره أنه يحب الله ورسوله، أي أن هذا الرجل ملتزم في نفسه إلا أنه في مثل هذه المنعطفات تضعف نفسه فيقع في المعصية، ومع ذلك هو يقول له إنه يحب الله ورسوله وهم الذين أقاموا عليه الحد فجلدوه كما يجلد غيره ممن يشرب الخمر، ولأجل هذا فيه إشارة إلى أن حبك لله تعالى يحتم عليك أن تتلمس السبل التي تذكر نفسك بالمعصية حتى تغادرها. نسأل الله تعالى أن يعينه وأن يبعد عنه كل المعاصي والآثام.
المفتي
مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ لأسئلة مجلس السبت من اليوتيوب.
مجلس السبت هو مجلس علمي أسبوعي يُعقد كل يوم سبت، يجيب فيه الشيخ د. ماجد بن محمد بن سالم الكندي عن الأسئلة الواردة من الناس عبر مختلف الوسائل، في مختلف أبواب الدين والحياة.
تتميّز هذه السلسلة بطرحها المباشر والواقعي، حيث تتناول قضايا يومية يحتاجها المسلم في عباداته ومعاملاته، وتقدّم الإجابات بأسلوب علمي واضح يجمع بين التأصيل الشرعي والتيسير في الفهم والتطبيق.