ما حكم أكل السمك الطافي؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الطهارة 2026-07-23

السؤال

ما حكم السمك الطافي ؟

الإجابة

كل ما كان من الحيوانات البحرية فاصطيد من البحر أو قذف به البحر فحكمه الحِل ، لقوله تعالى : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة "(1) فصيده ما اصطيد وطعامه ما رمى به ، كما ذكره البخاري في تفسير الآية عن عمر رضي الله تعالى عنه ، ويعتضد ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر : " هو الطهور ماؤه والحل ميتته "(2) رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهم ، ورواه أيضاً مالك في موطئه وأحمد في مسنده وأصحاب السنن والدارقطني والبيهقي في سننهما والحاكم في المستدرك وابن الجارود في المنتقى وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة ، وهو يفيد بصريح عبارته ما أفادته الآية الكريمة بإجمالها من حل ميتة البحر ، وهو حجة لتفسير الطعام في الآية بالميتة الموقوف على عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة ، وبعموم دلالة الآية والحديث أخذ أكثر أهل العلم فقالوا بإباحة أكل ميتة البحر مطلقاً سواء في ذلك الطافي وغيره ، وعليه مالك والشافعي وأحمد ، وذهب أبو حنيفة إلى إباحة ميتة البحر سواء ما قتله أحدٌ أو حسر عنه البحر فمات إلا ما مات حتف أنفه وطفا على الماء فإنه يقول بكراهته ، لما في سنن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن عبده ، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، حدثنا إسماعيل ابن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه "(3)
وأجيب بأنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ كما قال النووي في شرح المهذب فلا يجوز الاحتجاج به ولو لم يعارضه شيء ، فكيف وهو معارض بما دلّ عليه الكتاب والسنة وما روي من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم ، على أن راويه أبا داود نفسه قال : روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر اهـ.
وفي سنن البيهقي في " باب من كره أكل الطافي " ما نصه : أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه ، أنبأنا على بن عمر الحافظ حدثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز ، حدثنا محمد بن إسماعيل الحسّاني ، حدثنا ابن عمير ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه أنه كان يقول : " ما ضرب به البحر أو جزر عنه أو صيد فيه فكل وما مات فيه ثم طفا فلا تأكل " وبمعناه رواه أيوب السنحتياني وابن جريج وزهير بن معاوية وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير عن جابر موقوفاً ، وعبد الرزاق وعبد الله بن الوليد العدني وأبو عاصم ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم عن سفيان الثوري موقوفاً ، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعاً وهو واهم فيه ، ثم أورد البيهقي رواية أبي أحمد بإسنادها ، وأتبعها بقوله : قال سليمان : لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد ، ثم ذكر حديث أبي داود المذكور أولاً(1) .
وقال أبو داود أيضاً : وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم اهـ .
هذا وقد بيّن البيهقي علة هذا الحديث في إسناده حيث قال : يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيء الحفظ ، قال : وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفاً على جابر ، قال : وقال الترمذي : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال : ليس هو بمحفوظ ويروى عن جابر خلافه ، قال : ولا أعرف لأثر ابن أمية عن أبي الزبير شيئاً .
قال البيهقي : وقد رواه أيضاً يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعاً ، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به ، قال : ورواه عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر مرفوعاً وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به ، قال : ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً ، ولا يحتج بما ينفرد به بقية فكيف بما يخالف اهـ.
والخلاصة أن حديث جابر هذا لا يعدو أن يكون موقوفاً عليه لعدم ثبوت رفعه ، ورأي الصحابي لا يعترض به على رأي صحابي غيره إلا بمرجح ، فكيف يعارض به ما دل عليه الكتاب وثبتت به السنة ؟ .
هذا وقد حاول أحد المعاصرين تأييد رفع حديث جابر ، وهو العلامة الشنقيطي صاحب " أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن " بما حاصله : أن يحيى بن سليم الذي وهموه هو من رجال البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وكذلك الزبيري الذي رفع الحديث من طريق الثوري هو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي ثقة ثبت وإن قال ابن حجر في التقريب : إنه قد يخطئ في حديث الثوري ، وأن بقية ابن الوليد الذي رواه مرفوعاً من طريق الأوزاعي عند البيهقي هو من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء .
وهذه المحاولة ليست ناجحة فإن كون بعض رجال الإسناد ممن أخرج لهم الشيخان في صحيحيهما لا يعني أنهم مبرأون مما يقال فيهم من العلل ، ومن حفظ حجة ، والجرح مقدم على التعديل ، وكم من راوٍ أخرج له الشيخان وفيه من العلل عند رجال النقد ما يكفي لرد روايته ، على أن ما ألصق بهؤلاء من العلل لم يكن من الأمور المجملة التي تندرج في عمومات الأوصاف ، وإنما هو نص تفصيلي على أمور قادحة ككثرة الوهم وسوء الحفظ .
ومما يعجب منه تعويل الحنفية على هذا الحديث مع معارضته للقياس وهم أصحاب الرأي الذين يركنون إلى جانب الدراية أكثر مما يعولون على جانب الرواية ، ومعارضته بالقياس من حيث تفريقه بين ما مات بسبب جزر البحر له أو قذف البحر له وبين ما مات في البحر فطفا عليه مع عدم ظهور علة تشي بالتفرقة ما بين النوعين .
فإن قيل : بأن طُفُوّه على الماء يدل على طول عهده وهو مظنة ضرره بآكله .
قلت : بأن الرواية لا تدل على ذلك ، على أن ما يخشى ضرره يؤمر باتقائه أيّاً كان وعلى أي وصف وجد ، ويدل على ذلك ما رواه الطبري في تفسيره من طريق أبي بكر بن حفص عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : " أحل لكم صيد البحر وطعامه "(1) قال : طعامه ميتته إلا ما قذرت منها ، وذكره البخاري عنه بدون إسناد ، ويدخل في ذلك الطافي وغيره مما يستقذر لذاته أو لما يعرض له من النتن، ولهذا قيد الإمام السالمي رحمه الله النهي عن الطافي بما إذا كان ذا نتن حيث قال :
والسمك الطافي أرى النبيا عنه نهى فكن له أبيا
وهو الذي قد صار فوق البحر ذا نتن والنهي لا لحجر
فهو يوافق الحنفية في كراهته إلا أنه يقيدها بكونه ذا نتن .
وأقول بأن النتن إن كان خفيفاً بحيث تستقذره النفس فهو مكروه ، وإن زاد على ذلك حتى صار ذا ضرر فهو محرم ، لوجوب اتقاء المضار والله أعلم .

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي