السؤال
هل يجوز الترحم على جميع موتى المسلمين ولو لم نعرفهم؟
الإجابة
الترحم من باب الولاية، أو هو من مقتضيات الولاية، والولاية أو الولاية تعني الحب في الله والرضى عن أفعال الشخص. ويقسم العلماء الناس في باب الولاية إلى ثلاثة أقسام: منهم من يتولى على الحقيقة، أي على القطع له بالرضوان والجنة، وهم من ثبت في حقهم نص قطعي في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم المتواترة بشرط أن يكون النص صريحاً في سعادتهم، ويدخل في هذا الباب الأنبياء والمرسلون ومن ذكرهم الله من الصالحين كمريم ابنة عمران عليها السلام ونحو هؤلاء ممن نص عليه باسمه أو بلقبه أو بكنيته أو بوصفه. والقسم الثاني من يتولى ولاية الجملة، وولاية الجملة هي حق عام ولفظها عام واعتقادها عام، فيجب على المكلف أن يعتقد في قلبه أنه يحب جميع أولياء الله الصالحين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، من عرفه ومن لم يعرفه، ولا يخص أحداً بعينه في هذا النوع من الولاية أو الولاية. والقسم الثالث ولعل هذا القسم هو ما يسأل عنه السائل هو باب الولاية والبراءة على الظاهر، وهنا ينقسم الناس في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام أيضاً: من الناس من يتولى أي يحب في الله ويخص بالدعاء الأخروي لأن ظاهره الصلاح والاستقامة ومات غير مقيم على كبيرة في ظاهر أمره، فهذا يحب في الله ويدعى له بالمغفرة والرحمة الأخروية بعد موته. وقسم ثان هو من ظهر عليه الإصرار على الذنوب والمعاصي ولم تبن أو لم يَبِن أمر توبته ومات على هذا الحال، فهذا من القوم الفاسقين والفاسق لا يحبه الله عز وجل ولا يرضى عنه، بل بين الله تعالى أنه مستحق لللعن والغضب ومتوعد بما هو متوعد به من الوعيد الشديد، والآيات في هذا الباب كثيرة جداً، فالله عز وجل يقول: (فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)، ويقول عن نفسه جل وعلا: (لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، (لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وقال عز وجل: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، فاستحق اللعنة لكذبه على زوجته في اتهامها بالفاحشة، وقال في المرأة: (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، أي إن كان زوجها من الصادقين، فاستحقت غضب الله لمجرد ردها لشهادة زوجها. وكذلك الله عز وجل يقول: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ)، فاستحق الغضب واللعن لارتكاب هذه الكبيرة ألا وهي الإقدام على قتل المسلم، والآيات في ذلك كثيرة جداً، وكذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحة في براءته، فقد تبرأ من الحالقة والشاقة والصالقة، وكثيراً ما يقول: ليس منا من فعل كذا، ليس منا من فعل كذا، فدل هذا على أن ولاية الظاهر إنما تكون لمن ظهر صلاحه، ومن ظهر عدم صلاحه فإنه لا يترحم عنه لأن ظاهره على خلاف ما أمر الله عز وجل، والله يتولى سريرته. والنوع الثالث وهم أكثر الناس من يجهل الإنسان حالهم، لا يعرف حالهم أو معلوماته عنهم قليلة لا يستطيع معها أن يجزم لهم بولاية ولا براءة، فهؤلاء يتولون ولاية الجملة وبراءة الجملة المتقدمة، ولا يخص آحادهم بولاية ولا براءة، وإنما يقف الإنسان عنهم طلباً للسلامة وخوف أن يتولى من لا يستحق الولاية أو يتبرأ ممن يستحق الولاية، وهذا هو مجمل ما يمكن ذكره الآن في هذه المسألة، ومن أراد تفاصيل هذه المسألة فليرجع إلى المطولات، لا سيما في كتب العقيدة كمشارق الأنوار وبداية قواعد الإسلام وكذلك كتاب مختصر الخصال والمطولات الأخرى كقاموس الشريعة وبيان الشرع وغير ذلك من الكتب، سواء ما ألف خاصاً في هذا الباب أو ما كان من ضمن مواضيع الكتاب، والله تعالى أعلم.
المفتي
فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
تفريغ لجلسات افتاء للشيخ الدكتور إبراهيم بن ناصر الصوافي
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الترحم على من لا يعرف ومن مات بسوء مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- هل يُعدّ السلام على غير الولي ولايةً شرعاً فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم الترحم على الأب المحافظ حليق اللحية فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- تخصيص القريب العاصي بالترحم الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- الترحم على من ظاهره المعصية الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي