السؤال
ينص علماء التجويد على وجوب أو لزوم المد عددا معينا من الحركات فهل هذا الوجوب شرعي كالوجوب عند علماء الأصول مثلا؟ وهل يؤثر عدم المد بالحركات الواجبة في صلاة في صحة الصلاة؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم افتح لنا باب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الصراط الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم أما بعد، فهذه المسألة لا يقتصر بيان الحكم فيها على حكم المدود وإنما كلام أهل العلم يدور في حكم الالتزام بأحكام التجويد عند قراءة كتاب الله عز وجل هل حكمه الوجوب أو أن له حكما آخر مع اتفاق الجميع على علو منزلة علم التجويد وأنه من العلوم التي يجب تعلمها فرضا كفائيا على هذه الأمة وأنه من العلوم الشريفة الجليلة التي تعين على إتقان تلاوة كتاب الله عز وجل وعلى تحسين تلاوته والاتيان به كما بلغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم الذين بلغوه لمن جاء بعدهم، لكن البحث في هذا السؤال هو في حكم الاتيان بأحكام التجويد في التلاوة لا في التعلم ولا في الفضل فهذا أمر تقدمت الإشارة إليه ولا ينبغي أن يختلف حوله بقطع النظر عن القول الراجح في مسألة حكم الالتزام أو التقيد بأحكام التجويد في القراءة وأشهر الأقوال في هذه المسألة قولان، قول عند علماء التجويد أنفسهم فهم ينتصرون لعلمهم ويرون الوجوب ويقصدون بذلك الوجوب الشرعي لأنهم يرون أنه الكيفية التي تلقي بها كتاب الله عز وجل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي الكيفية التي أمر أن يقرأ بها وهي التي علمها أصحابه رضوان الله تعالى عليهم وهي تحسين للصوت بإعطاء كلمات القرآن الكريم وحروف هذه الكلمات حقها ومستحقها ولذلك فإن أكثر علماء التجويد إن لم يكونوا جميعا يرون وجوب التقيد بأحكام التجويد عند تلاوة كتاب الله عز وجل وترتيله، كلها وليس المدود فقط، نعم، ولكن أكثر الفقهاء لا يتفقون معهم في هذا ويرون أنه مع علو منزلة علم التجويد إلا أن القول بالوجوب الشرعي للاتيان بأحكام التجويد لا يستند إلى دليل، وأن المقصود من التجويد تحسين الصوت والاتيان بحقوق حروف كلمات القرآن الكريم وإعطاء هذه الحروف حقها ومستحقها لكن لا يبلغ الحال إلى تأثيم من خالف في أمر من أحكام التجويد، والقول الأعدل هو أن من أحكام التجويد ما هو واجب شرعا وهو ما تعلق به إقامة المبنى بما لا يخل بالمعنى، هذا القدر واجب شرعا لأنه يفضي إلى لحن فاحش واللحن الفاحش يفضي إلى إبطال الصلاة لأن المعنى تغير، فالقدر الذي يخل بالمبنى فيفسد المعنى يجب الاتيان به يجب إتقانه وضبطه بناء على قواعد علم التجويد، وأما ما هو دون ذلك مما لا يفضي إلى إخلال بالمعنى يمكن أن يؤدي إلى لحن خفي لا إلى لحن فاحش أي لا يتغير به المعنى ولا يخل بالإعراب فإنه سنة مرغب فيها لكن لا يبلغ حد الوجوب الشرعي، وهذا قول وسط فيه رفع للمشقة والكلفة وهو متفق مع ما سار عليه المسلمون عبر عصورهم لأن كتاب الله عز وجل لكل المسلمين للعربي والعجمي للأبيض والأحمر والأسود والأصفر وهم جميعا يقرؤونه لاختلاف ألسنتهم وأوطانهم وأعراقهم فيصعب أن يأتوا بكل أحكام التجويد، ولكن القدر الذي يحفظ المبنى ويقيم المعنى ولا يؤدي إلى لحن فاحش هذا أمر لا ينبغي النزول عنه، كما أنه في المقابل كما أن التكلف في أحكام التجويد بما يؤدي إلى إخلال المعنى كالتطريب وإدخال ما يشبه الألحان هو أيضا مما يحرم في كتاب الله عز وجل وما كان أقرب إليه أي من التطريب والتلحين والتكلف ما كان أقرب إلى هذا الحد لم يبلغ حد التكلف الظاهر فهو مكروه، وما كان مؤديا إلى مزيد من تحسين الصوت لتفهيم المعنى لكن تركه لا يؤدي إلى إخلال بالمعنى فهو مسنون مستحب ينبغي حفظه كما علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه، وأما الأدلة باختصار شديد فلأنه كما تقدم لا يوجد دليل ينص على أن من أخل بشيء من أحكام التجويد أنه آثم شرعا، وإنما ما دلت عليه الأدلة تتعلق بالكيفية كيفية النطق لإقامة مباني هذه الحروف حروف كلمات القرآن الكريم بما يحفظ معانيها فما ورد على سبيل المثال من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن قراءته فقالت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها عندما وصفت قراءته قالت كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد مدا، وفي بعض الروايات فإنه كان يترسل حتى تعد الحروف، هذا لا يدل على الوجوب الشرعي في كل حكم من أحكام التجويد وإنما يدل على أن الاتيان بهذه الأحكام أمر مسنون مرغب فيه، وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سمع قارئا يقرأ شيئا من كلام الله عز وجل وكان فيه مد متصل فقرأ دون مد فقال ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها بالمد، ولذلك تقدم بأن ذلك لا يؤخذ منه قطعا لا يؤخذ منه أن أحكام التجويد كلها في مرتبة واحدة وهو الوجوب الشرعي لا، غايتها في سنة فعلية أنها سنة قولية وفعلية مرغب فيها إلا القدر الذي يمكن أن يفضي إلى لحن فاحش إلى إخلال بالمعنى ضربوا لذلك أمثلة مثلا في سورة الإسراء كان يفخم التاء من مستورا جعلنا بينك وبين الذين وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ففخم التاء وقال مسطورا فهذا لحن فاحش، أو في مسطورا أيضا في نفس السورة رقق الطاء حتى صارت تاء فهذا أيضا من اللحن الذي يؤدي إلى إخلال بالمعنى، يعني هذه من أمثلة ما يكون حفظه من أحكام التجويد واجبا شرعا لأنه يؤدي إلى، لأن التفريط فيه يؤدي إلى إخلال بالمعنى لما نتج من إخلال بالمبنى لم تعط الحروف حقوقها فأدى ذلك إلى لحن فاحش، إذا هذا القول قول عدل وسط مرضي وإلا فالخلاف في المسألة تقدمت الإشارة إليه والله تعالى أعلم ومما يستأنس له كما تقدم هو ما تواطأ عليه عمل المسلمين جماهير المسلمين عبر عصورهم وعلى اختلاف مشاربهم وأعراقهم من التأكيد على هذه المواضع التي يمكن أن تؤدي إلى لحن فاحش وأن الخطأ فيها يمكن أن يأثم به صاحبه ومما هو سوى ذلك مما يندب تعلمه والتقيد به والاتيان به دون تكلف أو مبالغة والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- أثر التفخيم والترقيق على صحة الصلاة فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- قراءة القرآن بغير أحكام التجويد الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم تطبيق أحكام التجويد في الأذان فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- وجوب الفتح على الإمام عند وقوعه في اللحن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- حكم ترك الروم والإشمام عند قراءة (ما لك لا تأمنا) سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي