هل القضاء واجب على تارك نذره

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

اطلعت على اختلاف العلماء في لزوم القضاء على من ترك الوفاء بنذره ، وقد بنوا هذا الاختلاف على القاعدة الأصولية المشهورة : هل الأمر بالقضاء يجب بنفس الأمر بالأداء أم لابد له من أمر ثان ، فإن قلنا بالأول لزم القضاء ، وإن قلنا بالثاني لم يلزم ، هكذا قالوا .وأقول – مذاكرة وسؤالا - : إنه لا ينبغي أن يختلف في لزوم القضاء على كلا القولين : أما على القول بوجوب القضاء بنفس الأمر الذي لزم به الأداء فذلك ظاهر ، لأن الأدلة من الكتاب والسنة ناصة على وجوب الوفاء بالنذر ، كقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ، وكلمة العقود لفظ عام يشمل كل عقد ، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ) ، وأما على القول الثاني فلأن الأدلة من السنة قد دلت دلالة صريحة واضحة على وجوب القضاء ، ومنها : أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس - رضي الله عنهما – قال : استفتى سعد بن عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال : إن أمي ماتت وعليها نذر ولم تقضه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اقضه ) رواه الربيع – رحمه الله – ونحوه عند النسائي ومالك . ما رواه مالك عن طريق ابن سيرين : أن رجلاً كان جعل عليه أن لا يبلغ أحد من ولده الحلب فيحلب ويشرب ويسقيه إلا حج وحج به ، قال : فبلغ رجل من ولده الذي قال ، وقد كبر الشيخ ، فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم – فأخبره الخبر ، فقال : إن أبي كبر وهو لا يستطيع الحج أفأحج عنه ؟ قال : نعم . فهذا الحديث دال على قضاء النذر مع أن الرجل قد ترك الوفاء لعذر وهو الكبر ، وهو قضاء عنه في الحياة ، إلا أن الحديث فيه انقطاع . ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن عباس : أن امرأة قالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ؟ فقال : أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها ، قالت : نعم ، قال ( فصومي ) والحديث معناه عند الربيع – رحمه الله – ولكنه في الحج . والعجيب أن العلماء استدلوا بهذا الحديث على وجوب قضاء الصلاة والزكاة والحج وغيرها من الواجبات لمن جاء تائباً فما بال النذر يقال بعدم وجوب القضاء فيه ؟! وقد روى الطبراني من طريق ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالت : يا رسول الله توفيت أمي وعليها مشي إلى الكعبة نذراً ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : هل تستطيعين أن تمشي عنها . قالت : نعم ، قال : فامشي عن أمك ، قالت : أويجزي ذلك عنها ؟ قال : نعم أرأيت لو كان عليها دين ثم قضيته عنها هل كان يقبل منك ؟ قالت : نعم ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( فالله أحق بذلك ) . ولا يعترض على هذه الأحاديث وغيرها أنها فيمن مات وعليه نذر ، فهي في غير محل النزاع ، لأنه يقال إذا لزم ذلك الغير فمن باب أولى يلزم صاحب الحق إن فوته ، ولا يقال أيضاً : إن هذه الأحاديث في قضاء النذر عن الميت ، فقضاء الولي بمثابة الأداء ، لأنه يقال : إنه باقتراب وقت موته تعين عليه الأداء ، ففعل غيره لا يكون أداء ، وقد يعترض أيضاً بأن المشهور أن حقوق الله تعالى لا يلزم أداؤها عن الميت ما لم يوص بها ، وكذلك فقد أجازت طائفة من أهل العلم إخراج الإطعام بدلاً من الصيام ، وكل هذا يقدح في الاستدلال بظاهر هذه الأحاديث ، ويمكن الجواب عن ذلك : بأن الكلام ليس في تفاصيل المسألة وإنما في لزوم القضاء بغض النظر عن متى يجب وهل يجزي عنه غيره ، وأيضاً فكما تقدم فقد استدل بتلك الأحاديث على وجوب قضاء غير النذر ، والنذر مثلها إن لم يكن أولى . نرجو من سماحتكم النظر في هذه المسألة وإفادتنا هل لهذه المذاكرة وجه أم لا ؟ وإن لم يكن لها وجه فكيف يجاب عنها ؟ وما ترون سماحتكم فيها ؟

الإجابة

نعم لهذه المذاكرة وجه وجيه ، وما قلته له في الحق أصل أصيل ، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على ثاقب نظرك وصفاء فكرك ، ولكن لمن ذهب إلى غير ما ذهبت إليه أن يتخلص من هذا الإلزام بأن ما ذكر في هذه الأحاديث لا يعدو أن يكون ن جنس الأداء ، لأن النذر المذكور فيها مطلق غير مقيد بزمان ، وكلامنا إنما هو كان مقيداً بوقت ففات الوقت ، كأن يكون وقت لنذره صوم يوم الخميس ففات ذلك اليوم ولم يصمه ، وقد قصد يوم خميس بعينه ، أمّا ما ورد من الروايات التي فيها ذكر القضاء فلا يعدو أن يكون المراد بالقضاء فيها هو نفس الأداء ، لأن التفريق بين القضاء والأداء بأن الأداء فعل الشيء بعد عهد النبوة ، والقضاء الإتيان به بعد وقته استدراكاً ، إنما هو اصطلاح حادث بعد عهد النبوة ، فلا يحمل عليه ما ورد في القرآن والحديث من ذكر القضاء أو الأداء ، كما هو واضح في قوله تعالى : " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم وأشد ذكراً "(1) قوله : " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم "(2) وقوله : " فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله "(3) فلابد من أخذ ذلك في الاعتبار ، فانظر فيه وأجب عليه والله أعلم .
__________
(1) الآية رقم ( 200 ) من سورة البقرة .
(2) الآية رقم ( 103 ) من سورة النساء .
(3) الآية رقم ( 10 ) من سورة الجمعة .

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي