هل يهدم إسلام المشرك طلاقه السابق؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الطلاق 2026-01-30

السؤال

إذا طلق المشرك زوجته طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً، ثم أسلما، فهل يهدم إسلامه طلاقه، فيستأنف الطلاق من جديد، أم يحسب عليه، فإن كان طلقها واحدة بقيت عنده بطلقتين، وإن كان طلقها طلقتين بقيت عنده بطلقة واحدة، وإن كان طلقها ثلاثاً حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره نرجو من سماحتكم بسط القول في هذه المسألة، إذ لم نجد فيها جواباً موسعاً عند أصحابنا، حتى أن الشيخ السالمي _ رحمه الله _ ذكر في جوابه للشيخ المالكي أنه لم يجد هذه المسألة في الأثر إذ قال: - إن الجواب بابه قد أغلقا ولم أجده أثراً منمقا

الإجابة

نعم سأل شيخنا العلامة أبو مالك إمامنا نور الدين السالمي _ رحمهما الله _ عن ذلك فكان من جوابه له:
إن الجواب بابه قد أغلقا
ولم أجده أثراً منمقا
لكنني أقول فانظر مشفقاً
خوف الخطا وحققن ودققا
التوب جب للذي قد سبقا
ولو يكون مائة قد طلقا
فإن ذا الخطاب ما تعلقا
عليه ما دام بشرك علقا
فحال من عن شركه قد عتقا
كحال من عن أمه قد فرقا
يغفر عنه كل شيء سبقا
فاحكم عليه بابتداء مطلقا
في آية الكتاب عفو أطلقا
والقيد يحتاج له من فرقا
واستأنفوا الطلاق من قد طلقا
أو لم يطلق من مضى موفقا
فذا دليل يدخل المطلقا
حيث الخطاب لم يكن تعلقا
وأنت ترى أن الإمام _ رحمه الله تعالى _ أجاب نظراً وأبان أنه لم يجد القول في المسألة عن أحد، وكان من اجتهاده أنه لا عبرة بما كان إبان شركه من الطلاق؛ لأن الإسلام جب لما قبله، وقد قال تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } ( )، وجعل إطلاق الآية للعفو شاملاً للطلاق، وعليه ينهدم بالإسلام ما سبق من طلاق في حال الشرك، سواءً طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، ويستأنف ثلاث طلقات من جديد، والخلاف في المسألة مشهور، وبما قاله الإمام قال عبد الرحمن ابن عوف _ رضي الله عنه _ من الصحابة كما رواه عنه قتادة، إذ قال لسائله "ليس طلاقك في الشرك بشيء"، وبهذا كان يفتي قتادة، وقال به الحسن وربيعة، وهو قول مالك وأبي سليمان وأصحابهما، وأيده ابن حزم مستدلاً له بقول الله تعالى: { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ( )، وبقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"( )، قال: فصح بهذين النصين أن كل من عمل بخلاف ما أمر الله عز وجل به أو رسوله صلى الله عيه وسلم، فهو باطل لا يعتد به، ولا شك في أن الكافر مأمور بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ملزم ذلك، متوعد على تركه بالخلود بين أطباق النيران، فكل كلام قاله وقد ترك الشهادة المذكورة فقد وضع ذلك الكلام غير موضعه، فهو غير معتد.
ثم قال: فإن قيل: فمن أين أجزتم سائر عقوده التي ذكرتم، قلنا أما النكاح فلأن ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أقر نكاح أهل الشرك وأبقاهم بعد إسلامهم عليه، وأما بيعه وابتياعه؛ فلأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعامل تجار الكفار، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في أصواع من الشعير، وأما مؤاجرته، استأجر ابن أرقط؛ ليدل به إلى المدينة وهو كافر، وعامل يهود خيبر على عمل أرضها وشجرها بنصف ما يخرج الله عز وجل من ذلك.
وأما هبته وصدقته وعتقه، فلقول حكيم بن حزام: يا رسول الله أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من عتاقة وصلة رحم وصدقة، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" أسلمت على ما أسلفت من خير "( )، فسمى ـ عليه الصلاة والسلام ـ كل ذلك خيراً، وأخبر أنه معتد به، فبقى الطلاق لم يأت بإمضائه نص، فثبت على أصله المتقدم، فإن قيل فقد قال الله تعالى: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ } ( )، قلنا نعم، وهذا الذي حكمنا به بينهم، هو مما أنزل الله تعالى كما ذكرنا. أهـ كلامه، ومدار احتجاجه كما ترى على عدم الاعتداد بتصرف المشرك.
وذهب إلى أنه يعتد بطلاقه في الجاهلية ـ أي قبل إسلامه ـ كما يعتد به في الإسلام في جميع أحكامه عطاء وعمرو بن دينار وفراس الهمداني والزهري والنخعي وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، وتوقف في ذلك عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقد روى عنه قتادة أنه سأله رجل، طلق امرأته طلقتين في الجاهلية، وطلقة في الإسلام فقال له: "لا آمرك ولا أنهاك".
والخلاف في المسألة مشهور في كتب المذهب كما في المصنف وغيره من كتب أصحابنا، والقول باعتبار طلاقه هو قول ابن محبوب ـ رحمهما الله ـ، والقول الفصل هو الاعتداد بطلاقه قبل إسلامه، وإجراء جميع الأحكام التي تجرى على طلاق المسلم عليه، كما يعتد بجميع عقوده من نكاح وبيع وإجارة وغيرها، وما احتج به الإمام السالمي ـ عفا الله عنا وعنه ـ لا أرى وجيهاً في هذا المقام، فإن جب الإسلام لما قبله، وعفو الله تعالى عما سلف من الذين كفروا إن ينتهوا، إنما هو في الأمور التكليفية من فعل المناهي، وارتكاب المحارم، وترك الأوامر، ولا يدخل فيه ما كان راجعاً إلى خطاب الوضع كالنكاح والطلاق، وإلا لساغ لرجل تزوج في شركه امرأة أن يتزوج في الإسلام أصولها وفروعها، كما يترتب عليه أيضاً أن لا يلتفت في الإسلام إلى ما كان قبله من رضاع وغيره من أنواع أسباب تحريم الزواج، وأنى ذلك والأحاديث ترده، كما يقتضي إطلاق ذلك، جواز أن يتزوج الرجل في الإسلام من تزوجها أبوه او ابنه قبل الإسلام، ولا يقول ذلك قائل، وبهذا يتضح لك عدم وجاهة ذلك الاستدلال، والتفرقة بين النكاح والطلاق في ذلك لا أعرف وجهها.
1. ... وأما استدلال ابن حزم بالآية والحديث، لما ذهب إليه فقد أبعد فيه النجعة, إذ لا دليل فيهما من قريب أو بعيد على صحة قوله, فدلالة الآية الكريمة لا تعدو وعيد من تعدى حدود الله, ولا إشارة فيها إلى طلاق المشرك, بل سياقها ليس في الشرك إطلاقا؛ وإنما هو في إخراج المطلقة وخروجها من بيتها بعد الأمر بطلاق المرأة لعدتها ونصها: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } ( ) فأي علاقة بينها، وبين ما ذهب إليه من إلغاء طلاق المشرك، وعدم الاعتداء به؟ إنَّ هذه كبوة لا تليق بصغار الطلبة فكيف بالعلماء المحققين.
وأما الحديث فغاية ما يدل عليه، أن العمل المخالف لتعاليم الإسلام وأوامر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا اعتداء به في موازين الحق, ومن الوضوح بمكان أنه لا يعني طلاق المشرك من قريب ولا من بعيد, وما تفريق ابن حزم بين طلاقه، وعقوده، وسائر أحكام معاملاته، إلا كالتفرقة بين الضأن والمعز في أحكام الزكاة، وبين الذهب والفضة في أحكامها وأحكام الربا, وما هو إلاَّ تفريق بين الشيء ونفسه، فكفى بذلك دليلاً على ضعف استدلاله, والخلاصة: أن القول الصحيح أن ما كان من طلاق المشرك إبان شركه، معدود في الطلاق الذي يبينها منه، فلو طلق تطليقتين في الشرك وواحدة في الإسلام أو العكس، لكانت ثلاثاً تحرم عليه المطلقة إثرها حتى تنكح زوجاً غيره، والله أعلم.

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي