السؤال
من حلف أن يأكل اللحم فأكل السمك هل يحنث ؟
الإجابة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأيمان تراعى فيها دلالة ألفاظها فيكون البر والحنث بمقتضى تلك الدلالة ، ومنهم من غلّب العُرف والعادة ، وبناءً على هذا الاختلاف كان خلافهم في الحالف أن لا يأكل السمك فأكل اللحم ، فمن راعى دلالة اللفظ قال بحنثه لأن الله سمى السمك لحماً في قوله : " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً "(1) ومن أخذ بالعرف والعادة قال بعدم حنثه ، لأن الناس إذا أطلقوا اللحم لم يقصدوا دخول السمك فيه ، ولا ينصرف الذهن إلى دخوله ، والقول الأول محكى عن أبي عبد الله ولعله الفرسطائي ، وصححه شيخنا أبو إسحاق إطفيش ، حفظته منه سماعاً ، واستدل له بالآية ، والقول الآخر الذي عليه جمهور أهل العلم وذكر القطب رحمه الله أن أبا عبد الله قاله في محل آخر ، إذ حكي عنه قوله : إن السمك ليس من اللحم إلا إن نواه . ثم أتبع القطب ذلك بقوله : والحق أنه منه لنص القرآن ، إلا إن نوى الحالف خروجه أو اعتاد أنه لا يسمى لحماً . والذي اختاره أن العبرة في ذلك بالنية إن كانت له نية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى "(2) وإن لم تكن له نية فالعرف هو المحكم ، وعليه المعول ، فإن أحداً لو أمر ولده أو غلامه أن يشتري لحماً فاشترى سمكاً لما عُدّ ممتثلاً لأمره ، وعليه فلا أرى حنثاً على من أكل السمك إن حلف أن لا يأكل اللحم ، اللهم إلا أن يكون في مجتمع يغلب عليه عرفاً إطلاق اللحم على السمك .
فإن قيل : أوليس القرآن حجة في التعبير كما أنه حجة في التشريع ؟
__________
(1) الآية رقم ( 14 ) من سورة النحل .
(2) رواه الربيع ، باب في النية ، رقم ( 1 ) ، والبخاري في باب بدء الوحي ، رقم ( 1 ) .
قلت : بلى ، وأي حجة تساوي حجة القرآن أو تدانيها ؟ ولكن القرائن تصرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلى معاني أخرى لم توضع لها ولو كانت مستعملة في القرآن في حقائق معانيها كالشمس والقمر والليل والنهار والبحر والغيث ، فهب أحداً أقسم على شيء وأدرج شيئاً من هذه الألفاظ في قسمه على سبيل المجاز ، وقد دلت قرينة عقلية أو لفظية أو حالية على قصده ألا يكون له ما قصد ؟ فما الذي يدرأ قرينة العرف الشائع عن التأثير في حكم يمين الحالف بأن لا يأكل اللحم فأكل السمك ؟ وكيف يفرق بين القرائن فيعول على بعضها ويرفض بعضها ؟ أوليس حكمها شرعاً ولغة واحد ؟ والله أعلم .
فإن قيل : أوليس القرآن حجة في التعبير كما أنه حجة في التشريع ؟
__________
(1) الآية رقم ( 14 ) من سورة النحل .
(2) رواه الربيع ، باب في النية ، رقم ( 1 ) ، والبخاري في باب بدء الوحي ، رقم ( 1 ) .
قلت : بلى ، وأي حجة تساوي حجة القرآن أو تدانيها ؟ ولكن القرائن تصرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلى معاني أخرى لم توضع لها ولو كانت مستعملة في القرآن في حقائق معانيها كالشمس والقمر والليل والنهار والبحر والغيث ، فهب أحداً أقسم على شيء وأدرج شيئاً من هذه الألفاظ في قسمه على سبيل المجاز ، وقد دلت قرينة عقلية أو لفظية أو حالية على قصده ألا يكون له ما قصد ؟ فما الذي يدرأ قرينة العرف الشائع عن التأثير في حكم يمين الحالف بأن لا يأكل اللحم فأكل السمك ؟ وكيف يفرق بين القرائن فيعول على بعضها ويرفض بعضها ؟ أوليس حكمها شرعاً ولغة واحد ؟ والله أعلم .
المفتي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.
أسئلة مشابهة
- ما حكم الحلف بطريقة معينة والتخلي عن الضيوف؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- ما حكم من حرم شيئاً وأكله ثم ماذا عليه فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- ما هي اليمين والفرق بين يمين اللغو والمنعقدة؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- ما حكم انتهاك اليمين في الأكل من الذبيحة؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- هل قوله حرمت الأكل حكم يمين؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي