لماذا لا يتوحد المسلمون في صيام رمضان؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الصيام 2026-01-30

السؤال

س3: يَتبادَر في أذهانِ بعضِ الأوساط المثقّفة لماذا لا يتوَحَّد المسلمون في صيام شهر رمضان بحيث تصوم الأمّة معا وتفطر جميعا في يوم واحد، أي بمعنى آخر لماذا لا يتوَحَّدُون في هذه الفريضة كتوحّدهم في فريضة الحج ؟

الإجابة

ج: هذه العبادات نِيطَتْ بأمورٍ طبيعية، لأنّ الله-تبارك وتعالى-أراد مِن خلال فَرْضِهَا على عبادِه أن يُذَكِّرَ عبادَه بمرور الزمن وأن يكون اتصالُهم بنظام هذا الكون اتصالا موصولا بعبادة الله بحيث لا يكون هذا الاتصال اتصالا سطحيا أو اتصالا ماديا وإنما يكون اتصالا روحيا، فالكون بأسره كلُّ ذرَّةٍ مِن ذرَّاتِه تُسَبِّحُ بِحمدِ الله وتَسجُدُ لِجلالِ الله كما يُنْبِئُ بذلك كتابُ الله، فالله-تعالى-يقول: { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... } [ سورة الإسراء، من الآية: 44 ]، ويقول: { سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ... } [ سورة الحشر: من الآية: 1؛ سورة الصف، من الآية: 1 ] ويقول: { يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ... } [ سورة الجمعة، من الآية: 1؛ سورة التغابن، من الآية: 1 ]، ويقول: { سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... } [ سورة الحديد، من الآية: 1 ]، ويقول: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ...
} [ سورة الحج، من الآية: 18 ]، فإذن مِن أجل هذا جعل الله-تبارك وتعالى-بعضَ العبادات مرتبطةً بِظواهرَ طبيعية تكون في هذا الكون، كالصلاة التي نِيطَتْ بأحوالٍ يَمُرُّ بها الإنسان في يومِه وليلتِه، ودَلَّ على توقيت الصلاة بمواقيت هذه الأحوال قوله - سبحانه وتعالى - : { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا - وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا } [ سورة الإسراء، الآيتان: 78-79 ]، وقال تعالى: { فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ - وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [ سورة الروم، الآيتان: 17-18 ]، والصيام نِيطَ برؤيةِ الهلال، فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )، وفي رواية: ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه )، وظهورُ الهلال ظاهرةٌ طبيعية، لأنّ ظهورَ الهلال ميقاتٌ زمني يَتَجَدَّدُ به الزمن في كلِّ شهر بِحيثُ يَمُرُّ شهر ويأتي شهر بِمشيئةِ الله - سبحانه وتعالى - ، فعندما يَحُولُ الحَوْل أُمِرَ الإنسان بِأن يصومَ شهرا وهذا الصيام مَوْقُوتٌ بِميقاتٍ معروفٍ ومَنُوطٌ بِظاهرةِ هذا الميقات وهي رؤيةُ الهلال، فلذلك لا يَجوزُ تقديمُه على رؤيةِ الهلال ولا تأخيرُه عن رؤيةِ الهلال، فإن صام الناس جميعا في وقتٍ واحد فلا ريب أنه يَلزم أن يَصوموا إما قبل أن يَرَوا الهلال وإما أن يَصوموا بعد رؤيتِه بِحيثُ يَصومُ هذا الفريق قبل أن يَرى الهلال بِمجردِ أن يراه فريقٌ آخَر مِن البَشَر، لأنّه مِن المعلوم أنّ رؤيةَ الهلال تَختلِف بيْن مكانٍ وآخَر كما تَختلِف المواقيتُ الزمنية ..
مواقيت الليل والنهار التي تَلُفُّ على الكُرَة الأرضية، لأنّ الأرضَ هي كُرَة ولَمّا كانت كُرَة فإنّ الليلَ يَتقدَّمُ في مكانٍ ويَتأَخَّرُ في مكان، فقد يكونُ جزءٌ مِن الأرض ليلا والجزء الآخَر منه نهارا وقد يَشترِك الكثير مِن البلدان في جزءٍ مِن الليل أو في جزءٍ مِن النهار وقد لا يَكون هنالِك اشتراك وقد يَكون هنالك ليلٌ عند طائفة مِن أوّلِ ما يكونُ النهار عند طائفةٍ أخرى إلى آخِر ما يَنتهي النهار عندهم لِينتقِل النهار إليهم، ذلك لأنّ الله يُولِجُ الليلَ في النهارِ ويُولِجُ النهارَ في الليل، كما أَخبَرَ بذلك عندما قال - سبحانه وتعالى - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ... } [ سورة لقمان، من الآية: 29 ]، وقال - سبحانه وتعالى - : { ... يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ... } [ سورة الأعراف، من الآية: 54 ]، فالليل يُغْشِيهِ النهار، وهو وراءَه يَطْلُبُهُ طلَبا حثيثا، ولَمّا كان الأمْر كذلك فإذن رؤيةُ الهلال تَختلِف بيْن مكانٍ وآخَر، لأنه مِن المعلوم أنّ البلادَ إذا كانت أقربَ إلى جهةِ الغرْب كانت رؤيةُ الهلال فيها أَمْكَنَ في الوقتِ المُتَقَدِّم كلّما تَأَخَّرَ الليل، لأنّ البلادَ التي تَكون في الشرق يَتقدَّمُ فيها الليل ويَسقُطُ الهلال بِسرعة ولا يَمكِن أن يُعْتَبَرَ مرئيا وهو قد سَقَط أو أن يَكونَ قد تَقَدَّمَ الشمس ..
لا يُمكِن أن يَكونَ مرئيا في هذه الحالة قط، فكيف يُلْزَمُ هؤلاء بِأن يَصوموا بِرؤيةِ هؤلاء ؟! مع أنّ حديثَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - واضحٌ في ذلك، فقد أَخرجَ مُسلِمٌ وغيرُه مِن طريق كريب قال: أرسلتني أمّ الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن عباس إلى معاوية بالشام وقضيتُ حاجتها واستُهِلَّ عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام فلما رجعتُ إلى المدينة سألني ابن عباس قال : " متى رأيتُم الهلال ؟ " قلتُ: " رأيناه ليلةَ الجمعة " وقال: " أنتَ رأيتَه ؟ " قلتُ: " نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية " فقال: " ولكنّا رأيناه ليلةَ السبت فلا نزال نصوم حتى نُكْمِلَ الثلاثين أو نرى الهلال " فقلتُ: " أَوَ مَا تكتفي برؤيةِ معاوية وصيامِه ؟ " قال: " لا، هكذا أَمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - "، ومِن المعلوم أنّ معاوية كان يومئذٍ على رأسِ الحكم في البلاد الإسلامية ثم بجانب ذلك لم تكن هذه الرؤية خاصّة بِمعاوية وحدَه وإنّما كانت رؤية مُطْبَقاً عليها كما يَدُلُّ على ذلك قول كريب: " ورآه الناس وصاموا وصام معاوية " ثم قوله بعد ذلك: " أوَ مَا تكتفي برؤيةِ معاوية وصيامِه ؟ " فدَلَّ هذا على أنّ هناك أمرٌ مِن قِبَلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بِأن يُمْسِكَ الناس عن الصيام والإفطار حتى يَرَوا الهلال عندما يَكون هنالك سببٌ لإمكانِ حَجْبِ الرؤية عن أهل منطقةٍ مِن المناطق مع إمكانها بالنسبة إلى منطقةٍ أخرى، وقولُ الصحابي: " هكذا أَمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - " لا شَكَّ في أنه له حكمُ الرَّفْع ..
هو يَدُلُّ على أنّه سَمِعَ مِن ذلك حُكْماً صرِيحا مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولئن كان العلماء يَقولون بِأنّ قولَ الصحابي: " كنّا نُؤْمَر " أو " كنّا نُنْهَى " يُعْطَى حكمَ الرَّفْع فكيف بِقولِه: " أَمَرَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " حيث نصَّ على أنّ الآمِر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذن لِذلكَ حكمُ الرَّفْع، وكفى؛ والله-تعالى-أعلم.

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي