من التقاليد التي يعمل بها المسلمون في عمان أيام العيد شراء الذبائح وغيرها من الكماليات، والتي تكلف مبالغ كبيرة في كثير من الأحيان على الرغم من عدم وجود الحاجة الماسة إليها، وفي ذات الوقت أهلنا في فلسطين عامة وفي غزة بشكل خاص بحاجة ماسة وعاجلة للأموال لتدبير أمور حياتهم اليومية، فأيهما أولى في هذه الحالة، شراء الذبائح والكماليات كما هو معتاد أم المساهمة بهذه الأموال أو ببعضها لمساعدة أهل غزة بشكل خاص؟
الإجابة
أما الفرح في العيد بالذبائح وبالظهور بالمظهر الحسن فهذه سنة من السنن لا حرج فيها، لكن يشترط فيها أن لا تفضي بالإنسان إلى الإسراف، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني أن لا يقدمها على ضروري، فلا يجوز للإنسان أن يترفه بكماليات في الوقت الذي يضيع فيه الضروريات. من استطاع أن يجمع بين الخيرين، بأن يرفه بأن يوسع على عياله بالشكل المقبول في وطنه وبالأعراف الموجودة عنده دون سرف ولا مخيلة، واستطاع أن يشرك إخوانه في غزة فلا شك أن هذا هو الأفضل لمن كان يجد السبيل الذي يظن معه ظناً راجحاً أن هذه الأموال ستصل إلى إخوتنا، هذا هو الأفضل، من عمل هذا وسعه هذا ولا حرج عليه بإذن الله تعالى. لكن هل أقول إنه آثم إن استبقى شيئاً من أمواله لأجل أن يظهر بما يظهر عليه الوسط من الناس في زمانه؟ أقول إنه لا يأثم بهذا، فليجعل إنفاقه خيراً بينه وبين إخوانه. من استطاع أن يجعل لإخوانه أكبر الفضل، واستطاع أيضاً أن يقنع أهل بيته بذلك وكلهم راضون بهذا، وأخرج أمواله كلها إلى ذلك المكان فذلك له أجره وله فضله، لكن لا يستطيع هذه الرتبة كل أحد، أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، حينما يقول الفاروق، يقول إنه أراد أن يسابق أبا بكر الصديق في معروف، فكان عنده مال وأخذ نصف ماله وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجهيز شيء من غزواته صلى الله عليه وسلم، وقال إنني اليوم سأسبق أبا بكر، فقال له صلى الله عليه وسلم وما أبقيت لأهلك يا عمر؟ قال أبقيت لهم مثله، أي نصفه، نصف أموالي جعلت النصف عندهم والنصف عندي، وجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه بماله كله، فقال ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ قال أبو بكر أبقيت لهم الله ورسوله، أي أنه احتسب الأجر لله تعالى، هذه رتبة، رتبة عظيمة، عمر قال بعدها إنني لن أسبق أبا بكر في شيء، أبو بكر يستطيع الوصول إلى هذه الرتبة، وإنفاقه هذا بمثل هذا المال هو في حقيقته مسارعة إلى معروف يجده في نفسه، وأهل بيته لن يأتوه بالسوء ولا باللوم بعد ذلك. ولأجل هذا في الهجرة، خرج أبو بكر الصديق ومعه أمواله كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الهجرة، فجاء أبو قحافة من بعد، هناك أسماء هناك عائشة هناك أهل بيته، جاء أبو قحافة أبوه، فسأل عن ابنه أبي بكر، سأل أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها، فقالت إنه قد ذهب مع رسول الله، فقال لها هل أبقى لكم من شيء؟ تقول أسماء إن أبا بكر لم يبق لهم شيئاً، إلا أنها تناولت صرة فجعلت فيها شيئاً من الحجارة، والذهب في سكه في تلك الأيام ما كان في الإتقان كالذهب الآن، وأبو قحافة رجل ضرير لا يرى شيئاً، فوزن ما تركه، فقال إن كان أبقى لكم هذا فقد أبقى لكم خيراً. من الذي جاء بالمال الذي جاءت به أسماء بنت أبي بكر الصديق؟ ولو كانت امرأة ضيقة الحال لا تحتمل مثل هذا لما تركهم أبو بكر على هذا الحال، لكنه يعلم صدق إيمانهم ويعلم صدق يقينهم، في المقابل جاء رجل ثالث أعطي من الزكاة، فجاء بذلك المال كله وهو إنسان محتاج وفقير، جاء بذلك المال كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاتبه على هذا التصرف، أتعلمون لماذا عاتبه؟ عاتبه وقال وبين له أنه يأتي أحدكم بالمال كله ثم يبقى بعد ذلك يتكفف الناس، إذن هذا الرجل حاله إيمانه ويقينه لم يبلغ رتبة يقين أبي بكر، فإياك أن تقرر قراراً في الإنفاق غير الواجب في ساعة عاطفة جياشة في نفسك رأيت موقفاً وعظت ثم إنك بعد ذلك سيرجع عليك ذلك الإنفاق بالندم لأنك أنفقته حينما تضطرك الحياة إلى الضروريات، فتكره إنفاقك في سبيل الله، من كان بهذا الحال فعليه أن لا يرسل أمواله كلها لأنه لم يبلغ رتبة أولئك الذين يمكنهم أن ينفقوا أموالهم كلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الصحابة على حسب يقينهم وإيمانهم، وأنت الأعلم بنفسك، من الناس من قد يقوم الليل من أوله إلى آخره لأنه يعلم من حاله في تلك الساعة أن هذا القيام له فضل عظيم، ثم إنه بعد ذلك لا يحتمل جسمه ذاك فنجده ينام عن فريضة الفجر أو نجده ربما، نجد هذا الإنسان قد ينام عن الفجر والظهر بل ربما يفوته عمله في الصباح فيحرم شيئاً من المال في وظيفته أو يناله عقاب معين فيكره عبادته بعد ذلك، أمثل هذا الإنسان نشجعه على هذه العبادة؟ لا. الإمام الخليلي رحمة الله عليه وهو أحد رجال الله الصالحين، يحكي الشيخ سعيد بن حمد الحارثي رحمه الله تعالى في اللؤلؤ الرطب يقول إنه جاء وأقوام معه من الشرقية من القابل، جاءوا إلى نزوى عائدين، وكانوا قد قضوا ليلهم ذلك كله في الطريق، والطريق بعيدة وليست بوسائل الراحة الموجودة والنقل الموجودة لدينا في زماننا هذا، يقول الراوي إنهم ما إن بلغوا قبل فرق، قبل أن يصلوا إلى نزوى، ما إن بلغوا ذلك المكان وقرروا أن يبقوا في ذلك المكان لأجل أن يرتاحوا، يقول القوي منا من استطاع ليهيئ لنفسه وليهيئ مناماً له، أي مكاناً ينام فيه، وناموا مباشرة نام الجميع مباشرة بعدها، يقول إلا رجلاً واحداً هو الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله تعالى، نزل من راحلته تلك ثم إنه قصد وضوءاً فتوضأ وقام يصلي إلى أن أذن الفجر وصلى بالناس صلاة الفجر، هذا إنسان لا يمكن لكل أحد أن يقيس نفسه عليه، نعم يمكنك أن تصل إلى رتبته، يمكنك أن تصل إلى مكانته حينما تكون ساعات السحر والتذلل أمام الله تعالى في تلك الساعات هي معشوقة نفسك، هي الأمر الذي تطلبه نفسك ولو في حالات التعب، ثم تعبان في ذلك الحال ثمة داعيان، الداعي الأول داعي راحة الجسد وهذا غلبه أناس فذهبوا واطمأنوا وارتاحوا ومن حقهم هذا الأمر، وثمة داع آخر هو لذة المناجاة في تلك الساعة، فتعارض هذان الأمران وكانت لذة المناجاة عنده رحمه الله تعالى غالبة، لأجل هذا لن يشعر الجسد بالتعب والشقاء لأنه تلذذ بالمناجاة لله في تلك الساعة، وما كان يمضي عليه زمانه إلا وهو يناجي ربه. لأجل هذا فالإنسان هو الذي يستطيع أن يتعامل مع نفسه ولا أستطيع أن أحكم على الناس كلهم بحكم نفسي، لكني أقول كل أحد يستطيع أن يأخذ شيئاً من ماله بقدر ما تطمئن به نفسه حينما يثق بالطريق والسبيل الموصل إلى إخواننا في غزة، نسأل الله تعالى أن يرفع ما بهم من بأس، لكن أن يأخذه في مقابل إسعاد أهله ويأتون بعد ذلك ليلوموه ويعتبوا عليه ولربما كانت هناك بعض المشكلات في أسرته لم يهيأوا كتهيئة أسرة أبي بكر الصديق فمثل هذا الإنسان الأفضل له أن يرفههم حتى لا يحدث مفسدة جديدة وهو يريد أن يقوم بمصلحة، والله تعالى أعلم.
المفتي
مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ لأسئلة مجلس السبت من اليوتيوب.
مجلس السبت هو مجلس علمي أسبوعي يُعقد كل يوم سبت، يجيب فيه الشيخ د. ماجد بن محمد بن سالم الكندي عن الأسئلة الواردة من الناس عبر مختلف الوسائل، في مختلف أبواب الدين والحياة.
تتميّز هذه السلسلة بطرحها المباشر والواقعي، حيث تتناول قضايا يومية يحتاجها المسلم في عباداته ومعاملاته، وتقدّم الإجابات بأسلوب علمي واضح يجمع بين التأصيل الشرعي والتيسير في الفهم والتطبيق.