ما حكم البدع في عدة الوفاة؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#النكاح 2026-01-30

السؤال

ما رأي سماحتكم فيما تقوم به المعتدة عدة الوفاة من تغطية كل جسمها، ويديها، وأرجلها، وصب الزيت، وعدم مقابلة الأطفال، والنياحة، والتعري، وحمل السيوف، وزيادة أيام العدة، وغيره من البدع؟

الإجابة

يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " إن أصدق الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار "( )صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقول ـ أيضاً ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "( ).
ويقول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو أوى محدثاً "( ).
هذه الأحاديث كلها تفيد أن كل ما خالف كلام الله تعالى, وهدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو معدود من البدع الضالة التي تؤدي بصاحبها ـ والعياذ بالله ـ يوم القيامة إلى النار.
وقد بين الله تعالى الدين فيما أنزل من كتاب, وفيما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بيان, وامتن على الناس بإتمام النعمة، وإكمال الدين، بعد أن بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمانة, ونصح الأمة، وكشف الغمة, فقد قال الله تعالى ـ فيما أنزله على عبده ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عرفة في حجة الوداع: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } ( )، ولم يبق ـ بعد يومئذ ـ شيء يستحق البيان، بل كل شيء بينه لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد اكتمل الدين.
وإجمالاً أقول: بأن كل ما ذكر في هذا السؤال فهو من البدع والضلالات، التي لا تجوز في الإسلام.
أما من ناحية الستر؛ فإن المرأة مطلوب منها أن تستر بدنها عن أنظار الرجال، سواء أكانت في العدة، أم في غير العدة، ومطلوب منها أيضاً أن لا تجلس مع الرجال، إلا إذا كان هناك داعي للجلوس، بشرط أن لا تكون في خلوة معهم.
1. ... فقد جاء في كتاب الله تعالى ما يدل على وجوب الستر، فالله تبارك وتعالى يقول مخاطباً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ( )، ويقول الله سبحانه وتعالى: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ( ).
وهذا الحكم ليس خاصاً بالمعتدة، فإن المعتدة ليس لها أن تتزين، حتى تمنع عن إظهار الزينة لطائفة من الناس، بل هي ممنوعة من الزينة رأساً، فمن هنا يتبين لنا أن حكم الستر ليس مختصاً بالمعتدة، وتشديد الناس على المعتدة مع التساهل في غير حالة الاعتداد إنما يعد إفراطاً وتفريطاً، وكل من ذلك ممنوع في الإسلام، فالإسلام اعتدال.. إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منع المرأة أن تختلي بالرجل الأجنبي، ومنع الرجل أن يختلي بالمرأة الأجنبية، فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم"( )، ويقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إياكم والدخول على النساء، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ ـ والمقصود به قريب الزوج ـ فقال ـ صلوات الله عليه وتسليمه ـ: "الحمو الموت"( )، فإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشبه حما المرأة بالموت؛ لما في دخوله عليها، واختلاطه بها، وخلوته معها من المحذور، فكيف بغيره؟ رغم أنه من عادة الناس أن يغادروا على نساء أقاربهم.
ويقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"( )، فمن العجيب أن يتسامح الناس إذا لم تكن المرأة معتدة، ويتساهلون حتى يدعوا الرجل يدخل عليها ـ وهو الذي لا يجوز أن تختلي به أو يختلي بها ـ فيجلسها منفردين.. هذا ترك لما فرضه الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وبجانب ذلك يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد ـ إذا كانت عدتها عدة وفاة ـ بحيث تمنع من مقابلة الأطفال، وهذا التشدد ليس له أساس من كتاب الله تعالى، ولا سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
إن المرأة مع النساء المسلمات المؤمنات الصالحات يجوز لها أن تبدي ما فوق السرة، وما تحت الركبة، سواء في الاعتداد أو في غير الاعتداد؛ لأن عورة المرأة مع المرأة المسلمة البرة كعورة الرجل مع الرجل، وهي ما بين السرة و الركبة! فكيف يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد، ويقال إنه لا يجوز لها أن تصافح المرأة إلا من وراء حجاب؟، وعليها أن تستر مع النساء يديها، وتستر وجهها.. هذا أمر لا أساس له من كتاب ربنا، وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ "ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"( ) كما قال نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك الإدهان بالزيت، وعدم ملامسة المذكر من الأشياء، والتقوقع في مكان واحد داخل حجرة مظلمة، كل ذلك ليس له أساس من كتاب أو سنة، ولا قال به أحد من علماء المسلمين.
وإجمالاً يجوز للمعتدة كل ما يجوز لغيرها من النساء، ما عدا ثلاثة أشياء وهي: الزينة، والطيب، والتردد خارج البيت بغير ضرورة، فالمعتدة لا يجوز لها أن تتزين، أو تتطيب، أو تبيت خارج بيتها، إلا في حالات الضرورة القصوى.
ويجوز للمعتدات إذا كن ذوات عدد، وكل واحدة منهن لم تكن تجد من يؤنسها في بيتها، أن يجتمعن في بيت واحد في النهار، ولكن يفترقن في الليل، وتعود كل واحدة منهن إلى بيتها تنام فيه، كما جاء بذلك نص عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد أباح ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للنساء المتأيمات( ).. أما النياحة فممنوعة شرعاً لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة"( )، فهي من البدع المنكرة، بل من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، فالنائحة مرتكبة لكبيرة، وقد جاء في رواية ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن الرجل ليعذب ببكاء أهله عليه"( )، وتحمل هذه الرواية ـ إذا لم ينه هذا الرجل عن هذا العمل ـ على ما سوى البكاء المعتاد، الذي أباحه الشرع، فعلى الإنسان أن يحذر أهله من النياحة، أو أن يقر نواح نائحة بعد موته؛ لأن ذلك مما يخالف هدي الإسلام الذي أمر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ومن الضلالات الكبرى، والأمور المضحكة المبكية، فيما ذكر هنا في هذا السؤال، أن المرأة إذا كانت يوم انتهائها من عدتها يخرج الرجال جميعاً من بيتها...؟ ما هو الداعي إليه؟ وما الدليل عليه؟ وكذلك خروج الحوامل.. ما هو الداعي إليه؟
إن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، فلا يكون خروج الرجال مع خروج المعتدة من عدتها سبباً لموتهم، ولا تكون غيبتهم أيضاً سبباً لسلامتهم { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ( )، { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ } ( )، وكذلك الحوامل لا يدني موتهن، ولا موت أجنتهن حضورهن عند المعتدة، ولا يسلم أجنتهن ولا يسلمهن من الموت خروجهن من عندها، وغيابهن عن المكان الذي تكون فيه المعتدة عند خروجها من العدة..، وأدهى من ذلك وأمر.. أن تجتمع النساء عندها في يوم خروجها من العدة، وأن تذهب بها امرأة إلى مكان الاغتسال، وخلفها امرأة أخرى تحمل سيفاً وترفعه فوق رأسها، ، فذلك من البدع والضلالات التي يجب محاربتها..، وأعظم من ذلك كله أن تعرى أمام النساء؛ فإن أية امرأة لا يجوز لها أن تنظر إلى عورة امرأة أخرى، كما لا يجوز لرجل أن ينظر إلى عورة امرأة، وكما لا يجوز لرجل أن ينظر إلى عورة رجل آخر، فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لعن الله الناظر والمنظور إليه"، نعم يجوز ذلك في حالات الضرورة القصوى كالعلاج ونحوه..، وأنصح المسلمين والمسلمات بأن يتبعوا كتاب الله وسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأن لا يجعلوا للمعتدة حكماً يختلف عن غيرها، اللهم إلا في الأشياء الثلاثة التي ذكرتها: الزينة، والتطيب، والتردد خارج بيتها بغير ضرورة.
وعلى المسلمين أن يحاربوا البدع والخرافات التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وإذا دعا داع لدخول رجل أجنبي عليها، وكان معها ذو محرم؛ فلا مانع من ذلك.
وكذلك يجب أيضاً على النساء أن يلتزمن الستر، الذي فرضه الله تعالى عليهن في غير حالة العدة، وأن يلتزمن بما أمر الله تعالى به في قوله: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } ( )، إلى آخر الآية، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ } ( )، إلى آخر الآية، وذلك في غير حالة الاعتداد، فإن الحرمة في ذلك لا تختلف بين حالة الاعتداد وغيرها..، والله تعالى نسأله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
امرأة معتدة عدة الوفاة، أجريت لها عملية جراحية في عينها، ولم تستطع الاعتداد في بيت زوجها لسوء حالتها الصحية، ولعدم وجود مستشفى هناك، فهل يجوز لها أن تعتد في بيت أهلها؛ لأجل هذه الأسباب؟
لا مانع من ذلك مع الضرورة, والله أعلم.

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي