ما حكم نكاح الإماء في الإسلام؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#النكاح 2026-01-30

السؤال

ما حكم نكاح الإماء في الإسلام، وما معنى قول الله سبحانه وتعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } ( )؟

الإجابة

إن الله تبارك وتعالى شرع نكاح الحرائر من النساء للأحرار من الرجال، وفي قصر إباحة النكاح عليهن حكمة بالغة، منبثقة من روح الإسلام العلية، التي تتمشى بتشريعات الإسلام في دروب مصلحة البشر، هذه الحكمة تتجلى لمن نظر في حكم إلحاق الأولاد بالأمهات في الحرية والرق، وأن من واجب المسلم الحر أن يربأ بِقُرَّة عينه وفلذة كبده عن النزول في حضيض الرِّق الذي طالما حرص الإسلام على إبادته، ولذلك شرع عتق الرقاب في شتى الملابسات، ومن تحذير الإسلام من نكاح الإماء ما جاء في سنن ابن ماجه عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: »من أراد أن يلقي الله طاهرًا مطهرًا فليتزوج الحرائر«( )، ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مراد وكان خادمًا لأنس، وزاد فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: »الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت ـ أو قال ـ فساد البيت«( )، وعن عمر رضي الله عنه: »أيما حرٍّ تزوج بأمة فقد أرق نصفه«( )، يعني يصير ولده رقيقًا، وقال سعيد بن جبير: »ما نكاح الأمة من الزنى إلا قريب«، قال الله تعالى: { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُم } ( ) أي نكاح الإماء، ولكن الإسلام ـ الذي هو دين السماحة واليسر ـ من شأنه الاستجابة لضرورات البشر، ووضع الحلول السليمة لجميع مشاكلهم الناجمة في الحياة، لذلك أباح نكاح الإماء مع الضرورة المركبة من أمرين: عدم حصول الطول إلى نكاح المحصنات، وخوف العنت، وهو الزنى في قول القرطبي، وقال القطب رضي الله عنه: »إنه الزنى أو المشقة والجهد الحاصلان من كبت الغريزة ومعاكسة الفطرة«، وبهذا فسَّره السيد محمد رشيد في تفسيره "المنار"، وقال: »ذلك أن مقاومة هذه الداعية التي هي أقوى وأرسخ شؤون الحياة تفضي إلى أمراض عصبية وغير عصبية ـ إذا طال العهد على مقاومتها ـ« أهـ وقول القرطبي هو الذي ذهب إليه الجمهور، ولكن الثاني
أقرب إلى يسر الشريعة وسماحتها، بل وأقرب إلى مدلول الكلمة اللغوي، وأما الطول في الآية؛ فإن العلماء ذهبوا فيه ثلاثة مذاهب:
?المذهب الأول: أنه بمعنى السَّعة والغنى، وهو رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد، وذهب إليه مالك في "المدونة" والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ومرادهم بذلك المقدرة على صداق الحرة مأخوذ من قولهم: طال يطول طولاً في الأفضال والقدرة، ومنه قولهم: فلان ذو طول، أي ذو قدرة في ماله، قال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن": »قال أحمد بن المعذل: قال عبد الملك: الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على مليٍّ، قال: وكل مال يمكن بيعه أو إجارته؛ فهو طول، قال: وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولاً، وقال: وقد سمعت ذلك من مالك، وقال عبد الملك: لأن الزوجة لا ينكح بها، ولا يصل بها إلى غيرها، إذ ليست بمال، وقد سُئِل مالك عن رجل يتزوج أمة، وهو ممَّن يجد الطول فقال: أرى أن يفرق بينهما، فقيل: إنه يخاف العنت، فقال: السوط يضرب به، ثم خففه بعد ذلك« اهـ بلفظه، وبمثل هذا الذي قاله عبد الملك ورواه عن شيخه مالك، صرح قطب الأئمة ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في "شرحه على النيل"، وهو عكس ما يفهم من كلام صاحب "النيل" ـ رضي الله عنه.
? المذهب الثاني: أن الطول هو الحرة، فمن كان تحته حرة أو أمكنه التوصل إليها اندفعت ضرورته إلى الأمة؛ فصارت حرامًا عليه، إذ هي ـ كما يقول مسروق وغيره ـ كالميتة تباح للمضطر فقط، وهذا الرأي هو المفهوم من كلام صاحب النيل ـ رحمه الله تعالى ـ، وقال جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ: »من وجد صداق الحرة؛ فلا ينكح أمة«، وعنه: »لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الأمة على الحرة«، وقال الحسن: »من جمع بين حرة و أمة في عقدة فرِّق بينه وبين الأمة«، وفي مدونة أبي غانم ـ رضي الله عنه ـ: »سألت أبا المؤرج عن نكاح الأمة، هل يجوز للرجل الحر أن ينكح أمة؟ قال: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: لا يحل نكاح الأمة إلا لمن خشي العنت منكم، ولا يتزوج الحر إلا أمة واحدة« اهـ، وهذا هو قول الإمام مالك في كتاب محمد، عكس ما قاله في "المدونة"، وتبعه على رأيه هذا ابن حبيب من أصحابه، وقال اللخمي: »وهو ظاهر القرآن، ورجحه الطبري، وروي عن أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف«، وقد أجاد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في بيان الطول هنا حيث قال: »فسروا الطول بالمال الذي يدفع مهرًا، وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة، وهي من مادة الطول بالضم، فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات، وقد قَدَّر بعضهم كالحنفية المهر بدراهم معدودة، فقال بعضهم: ربع دينار، وقال بعضهم: عشرة دراهم، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده، بل ورَدَ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لمريد الزواج: »التمس ولو خاتمًا من حديد«، وهو في الصحيحين والسنن، ورُوِي أن بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئًا من القرآن مهرًا، وتزوج بعضهم بنعلين، ولم يقدر السلف المهر بقدر معين، وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين، فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار أو عشرة دراهم أو نعلين، وفسره أبو حنيفة بأن يكون عنده حرة
يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجًا امرأة حرة مؤمنة؛ فله أن يتزوج أمة، فحاصله عدم الجمع بين الحرة والأمة، قال: »والطول أوسع من كل ما قالوه وهو الفضل والسعة المعنوية و المادية، فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه لعيب في خُلقِه أو خلقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة، فإن لها حقوقًا كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك، وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، فاستطاعة الطول له صور كثيرة« اهـ كلامه، وقال القرطبي: »فإن وُجِد المهر، وعدم النفقة، فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز له أن يتزوج أمة، وقال أصبغ: ذلك جائز إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه« اهـ، وأنت إذا تدبرت سماحة الإسلام ويسره، وتناوله الأوضاع البشرية تناولاً أتى على كل جليلة ودقيقة، ووضعه الحلول السليمة لجميع المشاكل في غير إفراط ولا تفريط، أدركت ترجيح ما قاله الأستاذ الإمام، إذ العوائق عن تحصيل الحرة ليست هي مجرد عدم صداقها، ولعل هذا مراد من قال: إن الطول هو الحرة، يعني أن إمكان حصولها مانع من نكاح الإماء، غير أن الأستاذ جاء بمزيد من إيضاح لم يسبق إليه، وقد رأيت قطب الأئمة ـ رضي الله عنه ـ ذهب نفس هذا المذهب، وهذا نص كلامه في "شرح النيل": »وإن كان له مال، ولم يجد حرة أول لم تقبله الحرائر تزوج أمة فصاعدًا، حتى يكتفي؛ لأن المدار على رفع العنت، وعدم الطاقة على الحرة« أهـ.
? المذهب الثالث: أن الطول هو الجاد والصبر لمن أحب أمة وهَوِيَهَا، حتى صار بذلك غير قادر على نكاح غيرها، فإن له أن ينكح الأمة إذا لم يقدر على زمِّ هواه عنها، وخشي الوقوع في المحظور بسببها، وإن كان قادرًا على نكاح الحرة بالنظر إلى المقومات المادية، وهو قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري، وعليه حمل العلامة أبو زكريا والبدر وأبو ستة ـ رحمهما الله ـ ما رُوِي عن أبي الشعثاء الإمام جابر بن زيد ـ رضي الله عنه ـ أن امرأة استشارته في رجل يخطب إليها أمتها، فقال جابر: لا، فعاد الرجل، فعادت تستشيره، فقال: لا، فعاد، فعادت، فقال: لا، فقال الرجل: إن لم تُزوِّجِنِيها زنيت بها، فعادت إلى جابر وحدثته بما قال الرجل، فقال: زوجيه فهذا العنت، وتعقب القطب رحمه الله تعالى حملهما كلام جابر على هذا المذهب؛ لأن جابرًا يعلم فقر الرجل، وبقي أن يعلم خوفه من العنت، وقد علم ذلك من مراودته مولاتها مرة بعد أخرى، حتى قال: إن لم تزوجينها زنيت بها، وبناءً على هذا المذهب يكون قوله تعالى: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } ( )، بيانًا لعدم الطول، وهو على المذهبين السابقين ثاني شرطيْ جواز نكاح الإماء، وهذا هو الحق الذي يتألق نوره أمام كل متأمل، فإنه سبحانه قال: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } ( )، ولم يقل: ومن لم يستطع منكم طولاً أن يترك نكاح الإماء، والعجز عن ترك نكاح الأمة شيء غير العجز عن نكاح الحرة.
? وفي المسألة مذهب رابع: روي عن مجاهد أنه قال: »مما وسَّع الله على هذه الأمة نكاح الأمة والنصرانية وإن كان موسرًا«، وممن قال بذلك أبو حنيفة، إذ لم يشترط خوف العنت إذا لم تكن تحته حرة، قالوا: إن كل ما يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة، فالآية على هذا أصل في جواز تزوج الأمة مطلقًا، قال مجاهد: »وبه يأخذ سفيان: وذلك أني سألته عن نكاح الأمة، فحدثني عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله عن علي ـ كرم الله وجهه ـ قال: إذا نكحت الحرة على الأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم، قال: ولم ير علي به بأسًا«، ويقرب من هذا قول ابن وصاف شارح دعائم الإمام ابن النضر ـ رحمه الله تعالى ـ حيث قال: »إن اشتراط عدم الطول وخوف العنت في الآية تأديب لا إيجاب، وأنه يجوز تزوج الأمة مع القدرة على الحرة؛ لأن النظر يوجبه، وحجة العقل يؤيده؛ ولأنه يجوز للحرة تزوج العبد ولو وجدت العبد«، وبه قال ابن قاسم صاحب مالك، واحتج بقوله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى } ( )، ولم يقل: وأنكحوهن لِمَن لا يستطيع الحرة، وخاف العنت، ومن حجتهم عموم قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ( ) وحملوا قوله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } ( )، إلى قوله { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } ( )، على نحو قوله تعالى: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فإن خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } ( )، إذ الكل متفقون على جواز نكاح الأربع لمن خاف أن لا يعدل، وعليه فله أن يتزوج أمة من وجد الطول، ولم يخش العنت، وقد رُوِي عن مالك في الذي يجد طولاً الحرة أن يتزوج أمة مع مقدرته على طول الحرة، وقال مرة: ما هو بالحرام البيِّن وأُجوِّزه، وقال القرطبي: »إن ذلك ضعيف من قوله«، والحق أن هذا المذهب من الضعف بمكان،
فإنه يقتضي إلغاء القيود الشرعية، وسلب كثير من نصوص الشريعة دلالاتها، وذلك يتنافى مع إيجابية الشرع الشريف، ولا حجة لهم في شيء مما تمسكوا به، فدعوى ابن وصاف أن النظر يوجبه وحجة العقل تؤيده واهية جدًا، إذ الشريعة لا تستورد من العقليات، وإنما تستقى من مناهلها التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يصح هنا قياس نكاح الحر الأمة على نكاح الحرة العبد لوجود الفارق، وهو حرية أولاد الأمة من الحر، وأيضا فإن القياس إنما يصح مع عدم ورود النص، والنص واضح كما ترى، أما احتجاج ابن القاسم بقوله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى } ( ) فهو احتجاج بمطلق مع وجود المقيد، مع أن الأصوليين كادوا يتفقون على حمل المطلق على المقيد إلا خلافًا شاذًا لبعضهم، وهو ضعيف جدًا، وأما احتجاجهم بقوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُم } ( )، فهو احتجاج بعموم وردت عليه عدة متخصصات، كتحريم الجمع بين الأخت أو العمة وبنت الأخ، وتحريم الملاعنة على زواج الملاعنة، ولا غرو في تخصيصها بالقيدين الواردين في الآية التي نحن بصدد بيانها، ودليل الخطاب له دوره الفعال في تخصيص عمومات الأدلة الشرعية.
وأما احتجاجهم باتفاق العلماء على إباحة القدوم على نكاح الأربع لمن خاف عدم العدل بينهن مع قوله تعالى: { فإن خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } ( )، فهو مردود بأنَّ اتفاق العلماء على نكاح الأربع لمن خشي عدم العدل بينهن محمول على العدل فيما لا تستطيعه الطاقة البشرية، وهو ما عُرِف من عادة الناس أنهم لا تتساوى عاطفتهم القلبية بين أزواجهم، وذلك أمر فطري غير مستطاع دفعه، لذلك عفا الله عنه بقوله تعالى: { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ } ( )، على أنك تجد الفارق واضحًا والبون شاسعًا بين خوف الحيف بين النساء الذي عُلِّقَ على عدمه جواز تعددهن، وبين وجود الطول الذي شرط عدمه في جواز نكاح الإماء مع خوف العنت، فإن خوف العجز عن العدل لا يعدو كونه أمرا توقعيًا، ووجود الطول واستشعار الأمن من العنت كلاهما أمر واقع، وما أسْحَقَ الهوة بين الواقع والمتوقع، فقد لا يقع المتوقع، وهل الواقع إلا واقع، ولا يرد علينا أن الأمر بالاقتصار على واحدة معلق على خوف عدم العدل لا على وقوعه؛ لأن الخوف هاهنا غير مقصود لذاته في الحكم، وغير محذور في الأمر، وإنما غاية ما في الآية تحذير المسلم من التعرض لِمَا قد لا يفي بواجباته، و إلا فالخوف من ترك العدالة أمر وتركها أمر آخر، وليس أحدهما لازمًا للآخر ولا ملزومًا له، فإنه قد يعدل الزوج مع خوفه من ترك العدل، وقد يحيف مع أمنه من الحيف، وبما قررناه هنا يتجلى ضعف قول من ألغى الشرطين في جواز نكاح الإماء أو أحدهما، وصحة قول من التزمهما، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس ومكحول والزهري، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر وغيره، وهو مذهب مالك في "المدونة" من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد، وقاله أصبغ من أصحابه ومطرف وابن الماجشون وصحَّحه القرطبي،
وباعتبار هذين الشرطين ترجيح قول من قال: إنَّ من كان تحته حرة أو كان قادرًا عليها بالوسائل المادية والمعنوية ليس له أن ينكح أمة بحال، فإن "ال" في المحصنات من الآية داخل على جنس غير محصورة أفراده، وذلك يقتضي صدق الحكم ـ سلبًا وإيجابًا ـ على أقل ما يصدق عليه الجنس من أفراد مدلولاته، ألا ترى أن من حلف أن لا يتزوج النساء، ولا يشتري العبيد يحنث بتزوج واحدة من النساء، وشراء واحد من العبيد، ومن حلف أن يتزوج النساء ويشتري العبيد يبرُّ ـ كذلك ـ بتزوج واحدة وشراء واحد، وهكذا من أمكنه نكاح محصنة واحدة صدق عليه أنه وجد طولاً إلى نكاح المحصنات، وامتنع في حقه نكاح الإماء، هذا والخلاف في هذه المسألة يستتبع كذلك الخلاف في مسألتين لاحقتين بها: -
? الأولى: هل له أن ينكح أكثر من أمة واحدة، قيل: ليس له ذلك؛ لأنها أبيحت للضرورة والضرورة تندفع بنكاح واحدة، وهو قول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كما تقدم، وقال به مسروق جماعة، وذهب إليه الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، وهو ظاهر كلام الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني ـ رضي الله عنه ـ في "النيل"، حيث قال ما نصه: »وللحرِّ نكاح أمة بعدم طول وخوف عنت، وبهما جازت واحدة«، وقال القطب ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في شرحه: »وإن لم تكفه واحدة، ولم تمنعه من العنت تزوج حتى يخرج من العنت أو تتم أربعة« اهـ كلامهما، وقول القطب مبنيٌّ على ما سبق عنه أنه لا يرى الحرة طولاً إذا لم تمنعه من العنت، وكان به حاجة إلى المزيد، ولم يجد طولاً لغير أمة، وبمثل قوله ـ في جواز التعدد إلى أربعة ـ قال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب والحارث العكلي، وقال حماد بن أبي سليمان: »ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين، ومن المعلوم أن نكاح الإماء إنما يسوغ في حال الاضطرار لا في الاختيار، وما كان كذلك؛ فلا يجوز أكثر مما تندفع به ضرورة المضطر.
? الثانية: هل تبقى زوجية الأمة إن تزوج عليها حرة، قيل: ببقائها، وهو قول سعيد ابن المسيب وعطاء وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وهو مقتضى ما تقدمت روايته عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ، حيث قال: »للحرة ليلتان وللأمة ليلة«، ولم يفرق هؤلاء بين أن تكون الحرة عالمة بالأمة أو غير عالمة، وظاهر ما نقله أبو غانم في "المدونة" عن شيخه ابن عبد العزيز بقاء النكاح إن علمت بها الحرة، لا إن لم تعلم، وذلك أنه قال: »لا أفرق بينهما، ولا أوجب عليه فراقها؛ لأنها تقدمت على علم، وذلك برضى منها« اهـ، وقيل: للحرة في ذلك الخيار إن علمت، وعليه ففي أي شيء يكون لها الخيار؟ فقيل: في القيام مع الزوج أو مفارقته«، وهو قول الزهري ومالك وأحمد وإسحاق، وروي أيضًا عن سعيد بن المسيب، وقيل: في إقرار نكاح الأمة أو فسخه، وعليه ابن الماجشون من أصحاب مالك، وقال النخعي: »إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن يكون لها منها ولد، فإن كان لا يفرق بينهما، وقال مسروق: »يفسخ نكاح الأمة؛ لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة، وهو مقتضى ما رواه أبو غانم في مدوَّنته عن أبي المؤرج قال: »حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: إذا تزوج الحرة على الأمة؛ فهو طلاق الأمة«، وهو ظاهر كلام القطب ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيما كتبه على "المدونة"، حيث تعقب ما سبق عن ابن عبد العزيز بقوله: »للفرقة وجه ظاهر، هو أن لا تحل له الأمة إذا وجدت الحرة، فيفرق بينه وبين الأمة«، وقال الإمام الثميني ـ رحمه الله ـ في "النيل": »ولا تنكح حرة على أمة، وجوَّز إن رضيت، وكانتا بتثليث في الأيام، ومن تزوج حرة على أمة بلا علمها؛ فلها أن تنكره بعده، وقيل: نكاح الحرة طلاق الأمة.. « إلخ ما قاله.
وهنا يجمل بنا أن نقف لحظة لنمعن النظر في وصف الفتيات بالمؤمنات في الآية، هل اتصافهن بالإيمان شرط في إباحتهن؛ فلا تحل الكتابيات منهن أم لا؟ نجد اشتراط الإيمان في إباحتهن أمرًا ضروريًا في سلامة بناء الأسرة المسلمة، والحكمة في ذلك جلية، وهي وجوب محافظة المسلم ـ المعتز بإسلامه المعتد بإيمانه ـ على أفلاذ كبده عن سيطرة الكتابيين عليهم بحيث يكونون لهم أرقاء، إذ أولاد الأمة تبعٌ لسيدها: { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } ( ) وهذه الحكمة مما استجلاه ـ من أعماق أسرار التشريع ـ العلامة الكبير المحقق الخليلي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ، وبناء على رعاية هذا الشرط يمنع من نكاح الإمام الكتابيات منعًا باتًا لا هوادة فيه، وهو قول أصحابنا ـ رحمهم الله ـ وبه يقول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري والأوزاعي والحسن البصري ومكحول ومجاهد وعليه جمهور السلف والخلف، وذهب طائفة منهم أصحاب الرأي إلى أن نكاح الأمة الكتابية جائز، قال ابن عبد البر: »ولا أعرف لهم سلفًا إلا أبا ميسرة عمرو ابن شرحبيل، فإنه قال: إن إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن، وحملوا قوله تعالى: { المُؤْمِنَاتِ } على معنى الوصف الفاضل لا على أنه لا يجوز غيرها، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لَمَّا لم يكن وصف المحصنات بالمؤمنات مانعًا من تزوج الكتابيات؛ فكذلك الإماء«، وأيد مذهبهم من المتأخرين الإمام محمد عبده، فإنه قال: »والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا في الإماء، وإن قيل به، وإنما هو لبيان الواقع، فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة، وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن، وسكت عن نكاح الكتابيات، والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن؛ فكان الزواج محصورًا في المؤمنات فذكره؛ لأنه الواقع، أي ولأنهم لم يكونوا معرضين لنكاح الكتابيات، ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة، وهي نزلت بعد سورة
النساء بلا خلاف، وفي الوصف بالمؤمنة إشارة إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض« اهـ كلامه، وأنت إذا تأملت آية المائدة التي استدل بها على إباحة الكتابيات من الإماء وهي قوله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } ( ) إلى قوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } ( ) وجدت دلالتها على المنع أقوى منها على الإباحة، فإن المراد بالمحصنات الحرائر في قول أكثر المفسرين، وإن سلَّمنا ما يقوله بعضهم أن المراد بالمحصنات العفيفات؛ فتشمل الحرائر والإماء، فإنا لا نسلم جواز نسخها لقيد الوصف بالإيمان في سورة النساء، فإن آية النساء خاصة وآية المائدة عامة، والخاص قطعي الدلالة، فلا ينسخه العام الذي هو ظنيها، وإن كان قطعي المتن، اللهم إلا عند الحنفية الذين دلالة العام قطعية، ويبنون على ذلك جواز نسخه الخاص، وهو ضعيف عند الجمهور، وقد سبق أن دليل الخطاب له دوره الفعال في تخصيص عمومات الأدلة الشرعية، وذلك باستقراء عمل الصحابة فمن بعدهم، وحكمة اشتراط الإيمان بينة كما أوضحناها، على أن في قوله تعالى في آية النساء: { وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } ( )، إيماء إلى اعتبار مفهوم الصفة كما قاله العلامة الكبير السيد محمد رشيد رضا، ويجمل بنا أن ننقل هنا قصة حكاها ابن العربي المالكي ـ إتمامًا للفائدة ـ قال: »درَّسنا أبو بكر الشاشي بمدينة السلام، قال: احتج أبو حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية بقوله تعالى: { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ } ( )«، ووجه الدليل من الآية أن الله خيَّر بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة، فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لَمَا خيَّره الله بينهما أن المخايرة إنما هي بين جائزين لا بين جائز وممتنع، ولا بين متضادين، والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا؛ لأن الله سبحانه قال: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا } ( ).
وقال عمر في رسالته لأبي موسى: »الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل«، جواب آخر قوله تعالى: { وَلَأَمَةٌ } لم يرد به الرِّق المملوك، وإنما أراد به الآدمية والآدميات، والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه، قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني« انتهى كلامه، والعجب ممن يستدل بقوله تعالى: { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ } ( ) على جواز نكاح الأمة غير المسلمة، كيف لا يتأمل ما بعده في الآية؟ فقد وليه قوله تعالى: { وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } ( )، فلئن كان ذلك دليلا على جواز نكاح الأمة غير المسلمة؛ فهذا دليل على جواز إنكاح العبد غير المسلم، إذ لا فرق بين دلالة كلمة "خير" في الجملتين، مع أن هذا لم يقله مسلم جاهل بله العالم، وليس إتباع النهي في الموضعين بهاتين الجملتين إلا للتنفير عن المنهي عنه فيهما، والترغيب في ضده، ولا تفيد كلمة "خير" في أي منهما معنى التفضيل.
وأما الوثنيات وغيرهن من المشركات؛ فكما لا يجوز نكاح الحرائر منهن؛ فكذلك الإماء من باب الأولوية؛ وذلك مما لا خلاف فيه، هذا ما حضرني من الجواب على هذه المسألة من غير استقصاء لأبحاثها، ولا تتبع لدقائقها، فإن ذلك فوق طوقي فأنظر فيه أيها الشيخ بإمعان، فما كان من حق فاقبله، وما كان من باطل فردَّهُ، وإلى الله أبرأ من الحول والقوة، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي