هل تؤثر القنوت على صحة الصلاة؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الصلاة 2026-01-30

السؤال

لقد اطلعت على فتوى لسماحتكم لشخص حنفي يصلي خلف إمام شافعي فأمرتموه بإعادة صلاته بسبب قنوت الإمام الشافعي. فهل معنى هذا أن صلاة الإمام الشافعي ليست صحيحة بسبب القنوت؟ نرجو منكم التكرم بالإفادة.

الإجابة

لم أتعرض في جوابي لصلاة الشافعي ولا غير الشافعي جوازاً ولا بطلاناً، وما كان لي أن أحكم ببطلان أحد يتمذهب بمذهب ويؤدي صلاته طبق تعاليم ذلك المذهب، فإن علماء المسلمين لهم اجتهادات وآراء في الصلاة وغيرها من العبادات، ولا يعد الخلاف في ذلك من القضايا المفضية إلى الإشكال، ما يقتضيه مذهب السائل من أن الوقفة الطويلة في الصلاة من غير عمل تؤدي إلى بطلان الصلاة، وما استقر عليه الرأي في هذا المذهب باتفاق من أن مشروعية القنوت نسخت بأحاديث دالة على النسخ لم يختلف في صحتها ـ وإن اختلف في ثبوت النسخ بها ـ، ويتلخص دلائل النسخ في ثلاثة أمور:
أولها: تحريم الكلام في الصلاة بما ليس قرآناً ولا تسبيحاً ولا تكبيراً، بعد أن كان ذلك مباحاً أول الأمر، وهو الوقت الذي كان فيه القنوت مشروعاً، وهذه الأحاديث الناسخة.
1. ... أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ قال ( كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت { وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ) ورواه أبو داود بلفظ قريب منه، والترمذي بلفظ آخر كذلك.
2. ... أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كنا نسلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا يا رسول الله: كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال ( إن في الصلاة لشغلاً )، وروى مثله النسائي، وفي حديثه أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إن الله تبارك وتعالى أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقدموا لله قانتين )).
3. ... روى مسلم وأبو داود عن معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له (( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن )).
ومن الواضح الجلي أن القنوت خارج عما ذكره، بل هو معدود في كلام الناس الذي دل الحديث على منعه، ولا يرد على ذلك التشهد في الصلاة، فإن للتشهد حكماً آخر لأنه كلام مأثور ومحصور، فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعنى به عناية خاصة حتى كان يعلمه أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، كما جاء في حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وليس القنوت كذلك.
ثانيها: الروايات الدالة على عدم بقاء مشروعية القنوت، كحديث أنس عند أحمد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( قنت شهراً ثم تركه ))، وفي لفظ عند أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (( قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه ))، وحديث أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة قريباً من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث، ـ أي ما كانوا يفعلونه. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الترمذي، ورواه النسائي بلفظ: صليت خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: (( أي بني بدعة )).
وقد روي نحو هذا عن ابن عباس عند الدار قطني والبيهقي، وعن ابن مسعود عند الطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم وعن أم سلمة عند ابن ماجه، وحكى الترمذي أن عدم مشروعية القنوت هو قول أكثر أهل العلم.
ثالثها: أن روايات القنوت لم تخص صلاة الفجر وحدها، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عند البخاري قال: ( كان القنوت من المغرب والفجر )، ونحوه عن البراء بن عازب عند أحمد ومسلم والترمذي، فكيف يخص القنوت بالفجر لو لم يكن منسوخاً، مع أن الروايات جاءت به فيها وفي المغرب؟ فإما أن يكون باقياً حكمه فيهما، وإما أن يكون منسوخاً فيهما، والقول ببقائه في إحداهما ونسخه في الأخرى تحكم.
وعلى أي حال فإني لا أمنع من القنوت من كان مستنداً في عباداته إلى مذهب يقتضي بقاء مشروعية القنوت، ولكن ينبغي أن لا يتعجب أحد إن أفتيت من كان مذهبه الذي يتعبد به يقتضي عدم القنوت ـ لثبوت نسخه ـ بإعادة الصلاة التي يصليها خلف القانت وهو يعلم منه ذلك، فإن ذلك لقصد الاحتياط لا غير، فإن الحوطة في أمور العبادات مسلك اتبعه كثير من العلماء، فالشافعية أنفسهم كثيراً ما يعيدون الظهر بعد الجمعة احتياطاً لاختلال بعض شروط الجمعة التي يرونها، وقد رأيت جماعة منهم يفعلون ذلك في المسجد الحرام.
هذا والله أسأل أن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويوفقنا لاتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يعيننا على اجتنابه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي