فيما يتعلق بمنهج أهل الحديث في قبول الروايات، وهو منهج قائم على تحري اليقين أو غلبة الظن حتى لا يدخل في التشريع ما لم يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، هل يمكن أن يُسقط هذا المنهج نفسه على الروايات التاريخية أو ما ورد في السيرة النبوية (كقصة عداس مثلاً)؟ علماً بأن البحث في مثل هذه الروايات ليس بحثاً عن اليقين الذي تُبنى عليه الأحكام الشرعية، وإنما هي مجرد روايات يمكن نقدها بالمنهج نفسه.
الإجابة
لا هو أولا فيما يتعلق بمنهج أهل الحديث هو لا يراد منه اليقين اللهم إلا أن يقصد باليقين هنا غلبة الظن، ويقصدون من ذلك هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أو لم يقله، فهذا النقل هم يبحثون في الأسانيد وفي المتون، أما الأسانيد فإنهم يبحثون عن نقل العدل الضابط عن مثله من مبتدأ السند إلى منتهاه، وأما المتون فإنهم يبحثون فيما يتعلق بشرط الحديث الصحيح الرواية الصحيحة عندهم من غير شذوذ ولا علة قادحة، ثم اختلفوا في أنواع الشذوذ والعلة القادحة التي يمكن أن تطعن في متون هذه الروايات، إذن هم يعملون قواعد منضبطة يفحصون بها الرجال أولا في الأسانيد، هنا يحصل تفاوت بين من يكون لا من حيث العدالة وإنما من حيث الضبط على سبيل المثال، بين من يكون شديد الضبط وبين من يكون أقل من ذلك تختلف عباراتهم أيضا عبارات المعدلين والجارحين تختلف عباراتهم هذا يستعمل أوصافا يتحرى فيها كثيرا من الدقة وآخر يكون أكثر تساهلا، هناك أيضا الرواة أنفسهم يمكن أن يعني يعتريهم في بعض الأحوال يعتريهم شيء من الذهول أو النسيان، هم أكثر دقة وضبطا حين النقل من راو عنهم حينما ينقلون من راو آخر وهكذا حتى لا ندخل في التفاصيل، والباعث لهم على ذلك هو ما تقدم بيانه من البحث عن الجواب عن سؤال هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أو لم يقل، فإن كان قد قاله وثبت ذلك فهذا يعني أن هذا الحديث صحيح يؤخذ به وتترتب عليه الأحكام التي تؤخذ منه. أما السير فهي أحداث وقائع، هذه الأحداث قد تكون مجردة مما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، هؤلاء الرواة يعني ابن إسحاق على سبيل المثال الذي عليه مدار رواية عداس هنا ابن إسحاق فيه خلاف حتى من المحدثين من يقول بأنه لا يقبل إلا في المغازي والسير، ما الذي يقصدونه بالمغازي والسير؟ يقصدون الأحداث الكبرى على جهة الإجمال لا على جهة التفصيل، فهذه تقبل منه، هذا منهج قرره أهل الحديث لصناعة هي أشبه بروايات السنة لأنها يعني أيضا نقل رواة لوقائع وأحداث. الحقيقة أن الحاجة إلى ضبط المنهج فيما يتعلق بروايات السيرة والروايات التاريخية حاجة ملحة، المسألة على سبيل المثال فيما يتعلق بالقراءات أضبط لأن القراءات نقلت بالتواتر، ثم إن هؤلاء القراء اختصاصهم قراءة كتاب الله عز وجل تحملا وأداء لا يراد منهم شيء آخر، فهم وإن كانوا في الأخبار والروايات يعني ضعفة لكنهم فيما يتعلق بما تحملوه من سماعهم لقراءات كتاب الله عز وجل وبما أدوه لمن تلقى عنهم هذه القراءات هم عدول ثقات هم حجج يؤخذ عنهم ولا يراد منهم أكثر من ذلك، فهذه المسألة حسمت فيما يتعلق بالقراء، ولكن فيما يتعلق بروايات السيرة إلى اليوم لم تحسم، هناك من ينتصر لمنهج كتاب السير ويقبل هذه الروايات ويذكر يعني يقتبس أو يستشهد لمنهجه بجمل وعبارات كبعض العبارات المنسوبة إلى العلامة الذهبي وإلى ابن حجر في قبول روايات ابن إسحاق فيما يتعلق بالمغازي والسير، وهؤلاء أيضا ومن يقول بإعمال منهج المحدثين فإنهم أيضا يستندون إلى علماء الجرح والتعديل الذين ذكروا ما يجرح ويطعن في هؤلاء الرواة، فالمسألة مسألة مناهج ينبغي أن يتوسط فيها ويعتدل فيما يتعلق بروايات السير، وليس ذلك أيضا بمتعذر، لكننا بحاجة إلى استيعاب وتتبع، أما ما يتعلق بيونس هذا استطراد يونس عليه السلام فالكلام فيه في البحر الذي كان فيه، ولذلك يعني كان هذا خارج الهواء في الحديث عنه، طيب على كل حال يعني لكن هل وضع أهل السير منهجا فعلا كأهل الحديث أم أن فقط كتاباتهم يتناولها أهل الحديث؟ بدأ المتأخرون يعني يذكرون، يذكرون يحاولون رسم هذا المنهج فيما يتعلق ببعض رواة السير ومدى القبول والمقارنة بينها والبحث أيضا عن مخطوطات وعما يشفع لتلك الروايات، لكن أن نجد اليوم وصفا يعني دقيقا لهذا العلم فحسب علمي القاصر لا يوجد، هناك محاولات كما قلت لإعادة كتابة السيرة لكن بناء على منهج المحدثين، هناك من هو أيضا منهج المحدثين كما قلت هناك من هو أكثر حزما وهناك من هو أوسع نفسا فيقبل بعض الروايات التي قد لا يقبلها غيره، فالمسألة يعني تدور هذا اجتهاد بشري هذا اجتهاد بشري، لكن لا ينبغي إغفال أن ما يتعلق بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أيضا أن يدرس لأن نتحدث عن أحداث تاريخية فيدرس بنفس المنهج بنفس القواعد، يعني لما نتحدث عن نفي الشذوذ والعلل القادحة أيضا روايات السيرة بحاجة إلى إعمال هذا المنهج، بحاجة إلى أيضا أن ينظر في ما تكتمل به الصورة، أما لو أعملنا بحاجة إلى أن يقارن أيضا بمدونات تاريخية من غير مصادر السيرة، ما تشتمل عليه السنة النبوية من السيرة أمر كثير، ما يشتمل عليه تفسير كتاب الله عز وجل ومناسبات النزول أيضا مما يتعلق بالسيرة النبوية أيضا قدر كبير لا ينبغي إغفاله فهذه المصادر كلها تدخل في دراسة السيرة النبوية. تذكر دكتور حينما تحدثنا عن خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رويت، تبين أن هناك كثيرا من المصادر التي كتبت من القرن الثالث إلى هذه القرون المتأخرة ولكن كثيرا من هذه المصادر لم تكن في مصادر السنة النبوية، كانت في مصادر السيرة كانت في مصادر كتب الخطب والمواعظ كانت في كتب الأدب كانت في الجوامع حتى في الجوامع الفقهية، هذه جمعت منها فتحصلت عندنا هذه الحصيلة من المجاميع المخصصة لخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.