السؤال
ما صحة قصة عداس مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما عاد من الطائف؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم، أما بعد، فقصة عداس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عودته عليه الصلاة والسلام من الطائف بعد أن تجهم في وجهه عليه الصلاة والسلام أهل الطائف ولاقوه بإساءة وإعراض، هذه القصة محل خلاف بين أهل السيرة وأهل الحديث كما هو شأنهم دائما في كثير من الروايات الواردة في السيرة النبوية، وهذا الخلاف مرده إلى خلاف في المنهج في قبول هذه الروايات روايات السيرة وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من الخلاف في المنهج بين المحدثين وبين أهل السير، فمعلوم أن أهل السير يتسامحون في كثير من الروايات فيما يتعلق بالمغازي وفي أحداث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامحون فيها لا سيما إن كانت لا يترتب عليها أحكام شرعية عملية ولا يستشهد بها في أحكام عملية وإنما كانت سردا لأحداث ووقائع حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم في عهده الزاهر عليه الصلاة والسلام، وهذه القصة من هذا الباب، فإن أهل السير يذكرونها ولا يخطر في بالي أن أحدا من أهل السير لم يذكرها، اللهم إلا أن المتأخرين ممن سعى إلى اعتماد منهج المحدثين فإنه يوردها ثم يعلق عليها بالتضعيف، فهي عند أهل الحديث رواية ضعيفة، قيل بأنها مرسلة ولم ترد مرفوعة أبدا، وأضيف إلى ذلك بأنها في إرسالها أيضا عنعنة من بعض المدلسين عند أهل الحديث. خلاصة القصة عندما أراد من أراد أن نحيي له ذاكرته أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قفل عائدا من الطائف وهو محزون القلب مهموم لما لاقاه به أهل الطائف حينما أعرضوا عن دعوة الحق وعما جاءهم به من الهدى والرشد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق عودته استند إلى بستان إلى حائط فرآه ابنا عتبة ولهما غلام اسمه عداس، غلام نصراني، فأرسلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من العنب، فأخذه عداس فجعله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما تناوله عليه الصلاة والسلام سمى الله فقال بسم الله فعجب عداس وقال هذه كلمة لا يقولها أهل هذه الأنحاء، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أين أنت؟ فقال أنا من أهل نينوى، فقال عليه الصلاة والسلام تلك بلاد أخي يونس بن متى، فعجب هنا عداس أن هذا الرجل الذي أتاه بالعنب يعرف يونس عليه السلام ويعرف هذه البلاد وأنه سمى الله تبارك وتعالى، فأخبره عليه الصلاة والسلام أنه نبي مرسل من عند الله تبارك وتعالى وأنه جاء بما جاء به بما أرسل به يونس عليه السلام من الدعوة إلى توحيد الله عز وجل ونفي الإشراك به ومن الدعوة إلى العبودية الحقة الخالصة لله تبارك وتعالى، فأخذ عداس يقبل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه لما علم منه ذلك فرآه سيداه وقال أحدهما للآخر لقد رجع غلامك على غير الحالة التي ذهب بها. عداس هذا أيضا مختلف في إسلامه هل أسلم أو لم يسلم؟ ويعني الأكثر ذكر ابن حجر وذكر له قصة في غزوة بدر أنه كان يحذر المشركين وقد حذر سيديه من أن يواجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه على الحق، وبعضهم يذكر في نفس القصة المتقدمة أنه شهد له بالرسالة أنه آمن بالله تبارك وتعالى وشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، الحاصل الأقرب الأكثر عند هؤلاء الذين يقبلون هذه القصة أنه أسلم وأنه كانت له صحبة وبعضهم يقول لم تثبت صحبته وإن كان قد ذكر، وهذا يؤكد ما ذهب إليه المحدثون من أن هذه الرواية أقل ما يقال فيها أن فيها مقالا وضعفا. هنا رواية أخرى وهي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما توجه إلى ربه متضرعا قائلا اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهوان أمري على الناس، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي لك العتبى حتى ترضى ولكن عافيتك هي أوسع لي، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض أن ينزل بي رحمتك وأن أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات أن ينزل علي غضبك أو أن تحل علي عقوبتك، هذه الرواية الكلام فيها أيضا هو نفس ما تقدم في رواية في قصة عداس وإن كان بطريقة أقل، فقبول الفقهاء لها أكثر، والسبب في ذلك كثرة ورودها، السبب في ذلك كثرة ورودها في كتب السير وعند طائفة من أهل الروايات أيضا من أهل الأثر، ولأنهم رأوا أيضا أن هذه الألفاظ لا تصدر إلا من مشكاة النبوة، فهذه الضراعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الألفاظ الجزلة والمعاني العميقة لا يمكن أن تصدر إلا عنه عليه الصلاة والسلام، ولذلك نقلها كثيرون وإن كانوا يقولون بأنها من حيث الصنعة الحديثية فيها مقال لكنهم مالوا كثيرا إلى قبولها أكثر من ميلهم إلى قبول قصة عداس، ولكن هنا تنبيه ولعله تقدم في مناسبة أخرى إذ في بعض الآثار وردت جملة لا تصح، لا تصح في الروايات الأشهر التي وردت في حكاية دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عودته من الطائف وهي ما نسب إليه من أنه قال "اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه" هذه لم تثبت ولا تصح، فهي ليست أصلا من هذه الروايات مع ما فيها من مقال لكنها لم تذكر أصلا هذه الجملة التي تناقلها الناس في هذه الأعصار المتأخرة وهي من حيث معناها لا تصح، أما معاني ما تقدم ذكره من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا شك أنها معاني صحيحة موافقة لما في كتاب الله عز وجل ولهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم بأنها يبعد أن تكون من غير مشكاة النبوة. إذن هذا ما يتعلق بقصة عداس وأنا أعلم أن أمثال هذه الروايات تحدث جلبة عند طلبة العلم وعند الناس لأنهم ألفوا سماعها ولا يخطر في أذهانهم أن فيها مقالا وأن للعلماء فيها حديثا طويلا، والخلاصة أن قصة عداس هي أقرب إلى الضعف، وأما دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون هذه بدون جملة اللهم إني لا أسألك رد القضاء فهي أقرب إلى القبول لشهرتها ولتناقل أهل الأثر وأهل الفقه لها وإن كانوا يذكرون بأن فيها ضعفا وهذا له نظائر أيضا في قبول بعض الروايات وهي لا تحمل أحكاما شرعية والدعاء الجمل الواردة في الدعاء لا تخرج عن عموم ما هو معهود في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- حكم دعاء (اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف بنا) سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل يطبق منهج المحدثين في نقد الروايات على روايات السيرة النبوية سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ثبوت دعاء النبي ﷺ عند الخروج من مكة مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الدعاء بعد الطعام ولصاحب الوليمة مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- قول يغفر الله لك لأبي بكر هل وحي مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي