كيف يحكم الإيجار عند تلف العين المستأجرة؟

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#المعاملات 2026-01-30

السؤال

عن فتنة هوجاء وقعت بين صاحب محل أكراه لغيره وبين مكتريه، إذ خسر المكتري جميع التجهيزات التي جهز بها المحل، وقد أنفق عليها الملايين ولم يشرع في الاستغلال إلا قليلاً، وخسر صاحب المحل قيمة محله، لأن النار التي التهبت فيه أذهبت رونقه وكادت تأتي عليه، وقد كان اتفاقهما على أن يكتري صاحب المشروع المحل من صاحبه لمدة ثلاث سنوات، ودفع من إيجاره لمدة ستة أشهر فقط، وصاحب المحل يطالبه بدفع ما بقي منه، كما يطالبه بإصلاح محله ليسلمه إليه سليماً كما استلمه منه... إلخ ما في السؤال.

الإجابة

الذي أراه في هذه المسألة أن هذه جائحة أصابت كلا المتعاملين في ماله، فقد أودت بتجهيزات صاحب المشروع كما أفسدت على صاحب المحل محله، ولا ضمان على أحد الرجلين للآخر في ماله، فليتحمل كلٌ منهما خسارته إن لم يجدا من ينصفهما من المفسد أو لم يمكن العثور عليه، وقبل الدخول في حكم استمرار العقد إلى غايته المتفق عليها أو انفساخه ـ لعدم تمكن المكتري من الانتفاع ـ أرى أن أنقل بعض نصوص العلماء من أئمة المذهب وغيرهم في أصول هذه المسألة ونظائرها، وللشيء حكم نظيره.
قال صاحب (النيل) الإمام الثميني ـ رحمه الله ـ: هل عقد الإجارة لازم كالبيع أو جائز ولكل رجوع فيه؟ قال القطب ـ رضوان الله عليه ـ في شرحه: ولو نقد الثمن ودخل في العمل ما لم يتمه وهو ظاهر قول أبي زكريا في كتاب (الأحكام)، ثم نقل ـ بعد كلام له ـ عن أصحاب الديوان ـ رحمهم الله ـ أنهم نقلوا الخلاف الذي ذكره صاحب النيل.
وقال في (النيل) أيضاً: ومن كرى داراً بمعلوم نقد سنة معينة ثم أخذت ظلماً من ساكنها بعد أن سكن فيها بعضها حتى انقضى الأجل فلا رد على ربها لقدر المنع، ولزمه بالأمر العام له ولغيره، وكذا إن حبس حتى انقضى، وإن وقع ذلك قبل الدخول فيها وجب الرد ولو نقد، وإن هدمت قبل التمام أجبر ربها ببنائها وإصلاحها أو يرد الباقي إن امتنع.
قال القطب ـ رحمه الله ـ في شرحه: وإن انهدم البعض فقط ولم تكن على المكترى مضرة فيه ولا نقص مصلحة لم يجبر على البناء ولا على رد الباقي.
وقال الشيخ عامر صاحب الإيضاح ـ رحمه الله تعالى ـ: وإن أكرى رجل لرجل داراً بكراء معلوم في سنة معلومة فنقده الأجرة، ثم إنه سكن نصف تلك السنة فأخذت الدار من يده ظلماً، أخذها منه سلطان جائر، فسكن فيها أو أغلقها ومنعه من سكناها حتى انقضى الأجل الذي بينهما، فقد ذكر في الأثر أنه ليس على رب الدار ما ينوب الذي منع فيه من سكنى الدار، إلا أن يكون أمراً عاماً للناس فله عليه رد ما منع من سكناها بحسابه، وكذلك إن أخذه سلطان جائر فحبسه حتى انقضى الأجل الذي بينهما فلا رد على رب الدارـ إلى أن قال ـ: وإن حبس من سكناها أو منع أو أخذت منه قبل دخوله فيها فله الرد على رب الدار نقد أو لم ينقد والله أعلم. وإن هدمت الدار قبل السنة فله على رب الدار بنيان داره وإصلاحها أو الرد لما ينوب الذي بقي من السنة بحسابه إن أبى على إصلاح داره، لأن رب الدار لما فات من حساب السنة، إلا أن يتفقا أن يسكن الآن بقيمة سنته فلا بأس، وقد قيل: له السكنى لما بقي من السنة دون الرد إلا أن يتفقا عليه. وهذا فيما يوجبه النظر على قول من ذهب إلى أن الأجرة بمنزلة البيع، ولكن إنما يدرك عليه السكنى بعد الأجل حيث يدرك عليه إصلاح داره في الأجل والله أعلم.
قال العلامة المحشي ـ رحمه الله تعالىـ: قوله: إلا أن يكون أمراً عاماً... إلخ. إنما فرق بين الأمر العام والخاص، لأنه في الخاص قصده الظالم بذلك وأراد ضرره وحده، بخلاف العام فإنه بمنزلة المصيبة التي جاءت من قبل الله كالهدم مثلاً، فلذلك كان له الرجوع والله أعلم.
وقد نقل هذا قطب الأئمة في شرحه على (النيل) وأقره.
وقال العلامة الخرقي من الحنابلة ـ في مختصره ـ: فإن جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجر بمقدار مدة انتفاعه.
قال شارحه العلامة ابن قدامة الحنبلي في (المغني): وجُملته أن من استأجر عيناً مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها لم يخل من أقسام ثلاثة، أحدها: أن تتلف قبل قبضها فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه، لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه، الثاني: أن تتلف عقيب قبضها فإن الإجارة تنفسخ أيضاً وسقط الأجر في قول عامة الفقهاء، إلا أبا ثور حكي عنه أنه قال يستقر الأجر، لأن المعقود عليه لما أتلف بعد قبضه أشبه المبيع، وهذا غلط لأن المعقود عليه المنافع وقبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين.
الثالث: أن تتلف بعد مضي شيء من المدة، فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى، ويكون للمؤجر من الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة، قال أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا اكترى بعيراً بعينه فنفق البعير يعطيه بحسب ما ركب، وذلك لما ذكرنا من أن العقود عليه المنافع، وقد تلف بعضها قبل قبضه، فبطل العقد فيما تلف دون ما قبض، كما لو اشترى صبرتين إحداهما وتلفت الأخرى قبل قبضها، ثم تنظر إن كان أجر المدة متساوياً فعليه بقدر ما مضى، إن كان قد مضى النصف فعليه نصف الأجر وإن كان قد مضى الثلث، فعليه الثلث كما يقسم الثمن على المبيع المتساوي، وإن كان مختلفاً كدار أجرها في الشتاء أكثر من أجرها في الصيف، وأرض أجرها في الصيف أكثر من الشتاء، أو دار لها موسم كدور مكة، رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة، ويسقط الأجر المسمى على حسب قيمة المنفعة، كقسمة الثمن على الأعيان المختلفة في البيع، وكذلك لو كان الأجر على قطع مسافة كبعير استأجره على حمل شيء إلى مكان معين وكانت متساوية الأجزاء أو مختلفة، وهذا ظاهر مذهب الشافعي.
ثم قال: القسم الثاني أن يحدث على العين ما يمنع نفعها، كدار انهدمت وأرض غرقت أو انقطع ماؤها، فهذه ينظر فيها، فإن لم يبق فيها نفع أصلاً فهي كالتالفة سواء، وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له مثل أن يمكن الانتفاع بعرصة الدار والأرض لو وضع حطب فيها، أو نصب خيمة في الأرض التي استأجرها للزرع، أو صيد السمك من الأرض التي غرقت انفسخت الإجارة أيضاً، لأن المنفعة التي وقع عليها العقد تلفت فانفسخت، كما لو استأجر دابة ليركبها فزمنت بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى، وقال القاضي في الأرض التي ينقطع ماؤها لا تنفسخ الإجارة فيها وهو منصوص الشافعي، لأن المنفعة لم تبطل جملة، لأنه يمكن الانتفاع بعرصة الدار بنصب خيمة أو جمع حطب فيها، فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه، فعلى هذا يخيّر المستأجر بين الفسخ والإمضاء، فإن فسخ فحكمه حكم العبد إذا مات، وإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الأجر، لأن ذلك عيب فإذا رضي به سقط حكمه، فإن لم يختر الفسخ ولا الإمضاء، إما لجهله بأن له الفسخ أو لغير ذلك، فله الفسخ بعد ذلك والأول أصح، لأن بقاء غير المعقود عليه لا يمنع انفساخ العقد بتلف المعقود عليه كما في البيع، ولو كان النفع الباقي في الأعيان مما لا يباح استيفاؤه بالعقد، كدابة استأجرها للركوب فصارت لا تصلح إلا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجهاً واحداً، لأن المنفعة الباقية لا يملك استيفاؤها مع سلامتها، فلا يملكها مع تعيبها كبيعها، وأما إن أمكن الانتفاع بالعين فيما اكتراها له على نعت من القصور، مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء، أو كان الماء ينحسر عن الأرض التي غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو بسوء الزرع، أو كان يمكنه سكنى ساحة الدار إما في خيمة أو غيرها لم تنفسخ الإجارة، لأن المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية، فأشبه ما لو تعيبت، وللمستأجر خيار الفسخ على ما ذكرنا، إلا في الدار إذا انهدمت، فإن فيها وجهين:
8- ... أحدهما: لا تنفسخ الإجارة.
9- ... والثاني: تنفسخ، لأنه زال اسمها بهدمها، وذهبت المنفعة التي تقصد منها، ولذلك لا يستأجر عرصة دار ليسكنها... إلخ.
ثم قال: القسم الثالث أن تغصب العين المستأجرة، فللمستأجر الفسخ، لأن فيه تأخير حقه... إلخ ما شرحه من فروع هذا القسم، ثم استطرد في ذكر سائر الأقسام.
ونستخلص من هذه النصوص المتعددة: أن المكتري لا يكلف إصلاح اكتراه عندما تعرض له عوارض خارجة عن ممارسته قد تؤدي إلى تحول العين المكتراة عن طبعها وعدم صلاحها للغرض الذي اكتريت من أجله، بل نستخلص منها أن للمكتري أن يرجع إلى المكري فيما دفعه إليه من الكروة إن تعذر انتفاعه بالعين المكتراة بسبب ما طرأ عليها مما هو خارج عن تسببات المكتري، سواء كان هذا الرجوع بالفسخ الذي يطرأ على العقد تلقائياً بسبب هذه العوارض، أم كان بما للمكتري من حق الخيار بسببها، وهي نصوص واضحة لا غبار عليها، لذلك لا أجد داعياً إلى تحليلها والتعليق عليها، بل النص المنقول أولاً من (النيل) وشرحه صريح في أن عقد الإيجار مختلف في كونه ملزماً أو غير ملزم من غير أن يطرأ ما يمنع من الانتفاع بالعين المؤجرة، وإني وإن كنت لا أرى وجهاً للقول بعدم الإلزام لأنه عقد اتفق عليه الطرفان، وقد أمر الله بالوفاء بالعقود في قوله: { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } (1)، فيدخل هذا العقد في عموم هذا الأمر، وهو للوجوب، إذ لا مناص عن حمله عليه، فإني أرى انحلال عقدة الأجر عندما يطرأ على العين المؤجرة ما يحول دون انتفاع المستأجر بها، ولا يجوز حمل الإيجار على البيع، فتحمل الخسارة على المستأجر كما تحمل على المشتري فيما لو فسد المبيع أو ضاع بعد قبضه لاختلاف القضيتين، فإن العقد في البيع واقع على العين المبيعة والثمن عوض عنها، فإذا مكّن منها المشتري كان ضمانها عليه لأنه مالك لتلك العين.
أما عقد الإيجار فهو واقع على منفعة العين المؤجرة والثمن عوض عن تلك المنفعة، لأن المستأجر لا يملك العين وإنما يملك المنفعة، فلو حيل بينه وبين استيفاءٍ تام لها لم يكن عليه من الثمن إلا بقدر ما استوفاه، وكان مثله مثل المشتري إن ضاعت العين المشتراة قبل تمكينه من قبضها، فإنه تسقط عنه قيمتها أو قيمة ما ضاع منها إن ضاع بعضها دون بعض، وقد نبّه على هذا صاحب المغني في طوايا ما سبق نقله عنه.
نعم يبقى عقد الإيجار فيما لو كان الطارئ على العين المؤجرة يمكن تلافيه من قبل المؤجر (مالك العين) بالإصلاح بحيث لا تفوت مصلحة المستأجر.
والخلاصة أني لا أرى على المستأجر في المسألة التي وجهتموها إلى إلا الأجرة الَّلازمة عليه قبل أن يطرأ على البناية المستأجرة ما طرأ والله أعلم.

المفتي

فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي

فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ. وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.

📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي