الرد على شبهة قصر طاعة النبي على من عاصره دون طاعة الرسول

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الكفارات 2026-08-01

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحبا بكم في حلقة جديدة نتناول فيها أسئلة متعددة ومختلفة كما كنا نعتاد على ذلك. ضيفنا العزيز هو فضيلة الشيخ الجليل الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عمان. أرقامنا ستظهر على الشاشة لتتمكنوا من خلالها أن تتواصلوا معنا بحول الله تعالى ونحن في انتظار مكالماتكم، أهلاً ومرحبا بكم جميعا، وباسمكم أيضاً نرحب بفضيلة الشيخ، أهلاً ومرحبا بك فضيلة الشيخ. الأخ عامر الوهيبي يقول أو الوهيبي ربما، ما قولكم في من قال: لن تجد في كتاب الله أمراً بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هناك أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول متحققة تماماً باتباع ما جاء به من قرآن. أما النبي فطاعته متأكدة فقط على من عاصره لأنه ولي الأمر ولا تلزم من لم يعاصره، لأن الله لم يحفظ كلامه صلى الله عليه وسلم كما حفظ القرآن الكريم، ربما هذه شبهة تحتاج منكم إلى تفكيك.

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك. اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن هذه الشبهة ضعيفة من وجوه كثيرة، ومن العجب أن يتناقلها المسلمون ظانين أن فيها شيئاً من الصواب، مع أنهم إذا رجعوا إلى كتاب الله عز وجل فإن الآيات في القرآن الكريم شاهدة ناطقة بكذب هذه الشبهة وبافتراء قائلها لها. فنحن لو استعرضنا في هذا المقام ما تسمح به الذاكرة الآن مما ورد فيه الخطاب موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه يمكن لنا أن نعد جملة من الآيات القرآنية، وباستعراضها نتبين ما تشتمل عليه وما تدل عليه، هل يمكن أن يؤكد صحة هذا الزعم أو أن ما تشتمل عليه هذه الآيات القرآنية تدحض هذه الفرية وتتضاءل أمامها هذه المزاعم الباطلة. فالله تبارك وتعالى يقول: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"، وصفه هنا بالنبوة ووصف المؤمنين بأنهم يتبعونه، ولم يذكر وصف الرسالة هنا. ويقول ربنا تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ"، فربنا تبارك وتعالى هنا يخاطب محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين بوصف النبوة، ثم إنه يأمره بأمر لعموم المؤمنين، إذ لا قائل بأن هذا التوجيه الرباني إنما هو لمن كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقائل ذلك يحتاج إلى دليل، فالله تعالى يقول "حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ". يتأكد هذا أيضاً في قوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ". هل المطلوب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي خوطب في هذه الآية الكريمة، وقد تكررت في موضعين من كتاب الله عز وجل، أن يجاهد الكفار والمنافقين بنفسه؟ لا قائل بذلك، فهو أمر له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين من بعده بمجاهدة الكفار والمنافقين. وأبلغ من هذه الآيات مما يحضرني الآن أن الله تعالى يقول: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا". هذا بيان لدعوة سيد الأولين والآخرين خاتم الأنبياء والمرسلين الواجبة طاعته، الذي أمر المؤمنون باتباعه، فالآية أو الآيتان الكريمتان تلخصان ما بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ابتدأتا بنداء النبوة "يا أيها النبي" ثم لخصت ما أرسل به فقال "إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً"، شاهداً على من بعثت فيهم، ومبشراً الذين يصدقونك بالجنة، ونذيراً للذين يكذبونك بالعذاب والنار، عياذاً بالله. ثم قال "وداعياً إلى الله"، الآن هو وصفه ناداه بخطاب النبوة ثم قال "وداعياً إلى الله بإذنه"، فهو يدعو الأمة إلى الله تبارك وتعالى بهذا الوصف الذي وصفه به ربه تبارك وتعالى، قال "وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً". ما معنى أن يصف الله تبارك وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة بأنه سراج منير إن لم يكن في سياق الائتساء والاقتداء والاتباع؟ إن لم يكن مأموراً بطاعته والانقياد لأمره والاستسلام لحكمه في كل ما جاء به؟ كذلك مما يحضرني قول الله تبارك وتعالى "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ"، الآية الكريمة. ما فائدة وصفه بالنبوة هنا إن كان وصف الرسالة مغنياً للدلالة على لزوم طاعته وأنه لا ينقاد له إلا فيما أمر خوطب به بوصف الرسالة؟ إذاً فما فائدة ذكر النبوة هنا والله تعالى يقول "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة" ثم وصف ما جاء به من عند ربه تبارك وتعالى فقال "يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث". ثم نجد في بعض الأحكام العملية أيضاً فالله تعالى يقول "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا". الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام بوصف النبوة "يا أيها النبي"، لم يقل له يا أيها الرسول، ثم قال "قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين". فكيف يقال بعد ذلك بأن طاعته إنما في ما جاء مقترناً بذكر الرسالة؟ ومثل هذا أيضاً في بعض الأحكام العملية قول الله تبارك وتعالى "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ"، "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ". وكذلك أيضاً "يا أيها النبي اتق الله" فهذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنطوقه ولعموم المؤمنين بمفهومه، وقول الله تبارك وتعالى "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى". إذاً فما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مأمور باتباعه لأنه مسدد بوحي الله تبارك وتعالى، وهاتان الآيتان من سورة النجم ما تقدمهما هو وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بما يشير إليه لا بوصف الرسالة، لأنه قال "مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى". فإذاً الحديث عن ذاته عليه الصلاة والسلام عن شخصه وصفاته وما أمره به ربه تبارك وتعالى وعن حالته التي يعرفهم يعرف الله تبارك وتعالى بها العالمين، ولذلك قال "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى". إذاً بهذه الآيات الكريمة وبأمثالها مما يوجد في القرآن الكريم وهو كثير، دلالة واضحة على تضعضع هذه المزاعم وعلى تردي هذه الشبهة لأنها لا تقف أمام وضوح الحق الذي اشتملت عليه هذه الآيات الكريمة، لكن الذي انقدح في ذهني الآن أن قائل هذا كما لا يخفى الآن إنما يريد أن يجرد هذا الدين من جوهره وجوهره طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله، والالتزام بما أمرنا به ربنا تبارك وتعالى. فنحن إذا نظرنا في هذه الأوصاف والأحكام الشرعية التي اقترنت بذكر النبوة، نجدها أنها وصف لدعوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، والذين يقولون بهذه الشبهة يريدون تجريد هذه الدعوة من حقيقتها وجوهرها، لأن الله تبارك وتعالى وصف دعوته بقوله "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا"، يريدون أن يعطلوا أعظم أحكام العبادات في هذا الدين الحنيف بدءاً من الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى والإغلاظ والتضييق على الكفار والمنافقين، لأن الآيات التي وردت في هذا السياق لم يأت الخطاب فيها له عليه الصلاة والسلام بخطاب الرسالة وإنما جاء بخطاب النبوة، فقال "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم"، "يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال"، يعني في سياق التحريض على القتال وفي سياق الجهاد والقتال في سبيل الله عز وجل ما ناداه الله تبارك وتعالى إلا بوصف النبوة، فتظهر لهؤلاء الطاعنين مصلحة في تجريد هذا الدين من هذا الجوهر. وكذلك الحال بالنسبة لسياج الأسرة لعفة المرأة وما يحفظ عفافها وما يصون بناء المجتمع، فقول الله تبارك وتعالى "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن"، لا يخفى أن لهؤلاء المغرضين مصالح في تجريد فهوم المسلمين من لزوم طاعة النبي عليه الصلاة والسلام إن كان الخطاب مقترناً بوصف النبوة لا بوصف الرسالة. وكذا الحال في أحكام الأسرة كما في قوله تعالى "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء"، هل الخطاب خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام "فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله" أو أنه عام لعموم المؤمنين؟ ومع ذلك جاء مقترناً بخطاب النبوة. وفي المقابل نجد وهنا سأختم نجد أننا نجد في كتاب الله عز وجل خطابه عليه الصلاة والسلام بالرسالة دون أن يكون فيها تكليف "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"، أي تكليف هنا؟ الآيات المتقدمة ومنها آيات الجهاد هي التي وردت في هذه السورة، منها آيات الجهاد في سبيل الله والتحريض على القتال "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين"، فختمت ببيان أن دعوة هذا الرسول عليه الصلاة والسلام مع ما يظهر فيها من تكاليف فيها مشقة، إلا أنها مع ذلك هي الأيسر للعباد والأبعد عن العنت، وهي التي فيها حرص على تحقق الرأفة والرحمة، وفي مخالفتها العنت والمشقة وكل ما يجلب السخط والتنافر بين المسلمين. فهذا إجمالاً كما قلت ما يسمح به الآن الخاطر في استحضار بعض الآيات القرآنية ومع ذلك فأنا على ثقة من أن طلبة العلم وعموم المسلمين إن رجعوا إلى كتاب الله عز وجل ونظروا في الآيات التي خوطب فيها نبينا عليه الصلاة والسلام بخطاب النبوة فإنهم سيجدون الكثير من الأوامر والنواهي والحلال والحرام مما اقترن بوصفه نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن أجل ذلك تندحض هذه الدعوى الباطلة والحمد لله رب العالمين.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الرد على شبهة قصر طاعة النبي على من عاصره دون طاعة الرسول
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي