السؤال
أود من فضيلتكم أن تحدثنا عن أهمية اقتران العلم والإيمان بمكارم الأخلاق وحسن المعاملة؟
الإجابة
نعم، أما اقتران مكارم الأخلاق بالعلم والإيمان فهذا ظاهر في أجلى صوره فيما وصف به ربنا تبارك وتعالى نبيه الكريم حينما قال: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ"، فإن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله الذي بُوِّئ هذه المنزلة جُعل خلقه دليل صدق للقرآن إلى هذا الحد أثر هذا الوصف الشريف الباذخ الذي وصف به ربنا جل وعلا نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ"، فهي شهادة من الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيما يظهر معاني الإيمان وحقيقته وجوهره وحسن الاستقامة والتدين لله عز وجل فإنها تظهر للناس في حسن الخلق ولذلك وُصف خلقه عليه الصلاة والسلام بأنه خلق عظيم، ثم جُعل هذا الوصف دليلا على صدق القرآن نفسه فخلقه عليه الصلاة والسلام دليل صدق القرآن الكريم إذ لو وُجد مطعن في خلقه لطُعن في هذه الآية الكريمة وهذا يعني طعنا في القرآن نفسه ولكن لم يوجد عاقل منصف يقبل قوله طعن في خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو من خصومه لم يوجد، فيكفينا أن نتبين هذه المنزلة العظيمة للخلق لمن كان في منزلة أعلى علما ودينا، فإن ذوي العلم هم أولى الناس أن يتمثلوا أخلاق القرآن الكريم وأن يتأسوا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربنا تبارك وتعالى وصف نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بوصف دقيق يبين أثر الخلق وهو النبي المسدد بالوحي الذي يعرف المسلمون يعرف أصحابه رضوان الله تعالى عليهم منزلته ومكانته فيهم ومع ذلك فإنه يقول: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ذا قلب رحيم كان واسع الحلم كان في الذروة من الأخلاق ولذلك وصفه ربه بقوله: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ"، كان لين الجانب لأصحابه صلى الله عليه وسلم، ثم بين ما يمكن أن يكون عليه الحال لو لم يكن هو عليه الصلاة والسلام على هذا الخلق العظيم وعلى لين الجانب ورحمة القلب بأصحابه وبأمته فقال: "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، والحديث يطول في معنى لانفضوا من حولك، من يقرأ كلام الإمام الطبري في هذا الموضع وكلام الإمام القرطبي في هذا الموضع لرأى أمرا عجبا في معنى الانفضاض عنه عليه الصلاة والسلام من أصحابه المذكورين هنا، إلى آخر ما نتصور من الانفضاض عنه عليه الصلاة والسلام بعضهم لطف العبارة وقال تفرقوا عنك، ولكن منهم من نص قال لتركوك وتركوا ما جئت به، إلى هذا الحد فالمسألة مسألة ذو شأن عظيم فقد يورث الخلق السيئ نفرة عن الدين كله وقد يورث انكفاء عن الاستقامة والصلاح، ولذلك بعد هذا الجزء في الآية الكريمة يذكرهم ربنا تبارك وتعالى بالأصول والمبادئ التي لابد أن تراعى في إقامة أود مجتمع المسلمين "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"، الأعجب هو ما جاء بعد هذه الآية مباشرة قال: "إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، وهو عليه الصلاة والسلام يقول: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا"، ويقول: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم"، ويقول: "إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق"، أولى الناس بتمثل هذه الأخلاق العالية والسمت الرفيع والأدب الجم هم أولو العلم المنظور إليهم وهم ذوو المكانة التي يتأسى الناس بأقوالهم وأفعالهم ويتخذونهم قدوات ولابد للمجتمع من قدوات حسنة تحرص على أن تكون في الذروة من الأخلاق الرفيعة العالية وأن يصبروا على أذى الناس وأن يكظموا غيظهم وأن يتجملوا بالحلم وأن يوسعوا صدورهم للناس وأن يشرحوا صدورهم له حتى أن بعض المفسرين يقول بأن في قول الله تبارك وتعالى: "أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ"، شرح الصدر هذا هو من لوازم من إعداد الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتحمل أعباء الوحي والتبليغ، فإن من كان في هذه المنزلة لابد أن يكون واسع الأفق منشرح الصدر محتملا لأذى الغير صبورا حليما متحليا بأعلى الخلال وأجمل الفضائل، فهذا هو الرابط المتين الذي نجده بين العلم والأخلاق في ديننا الحنيف ويمكن أن يستطرد في الحديث لكن حتى لا يأخذنا هذا الموضوع.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- حكم الاكتفاء بالقول دون العمل في الأخلاق سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- رمضان ومراجعة مسالك الأخلاق والقيم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل تهذب العبادة طباع الإنسان وأخلاقه؟ سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سبب عدم ذكر الأخلاق في حديث أسباب اختيار الزوجة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي