السؤال
قال الله تعالى "إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ"، وقال في آية أخرى "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"، فكيف نفهم الجمع بين الخلق المتدرج في ستة أيام والقدرة الإلهية المطلقة على الخلق الفوري؟
الإجابة
الجواب معلوم أن الله تبارك وتعالى موصوف بكمال القدرة ومنتهاها وبغاية الحكمة سبحانه وتعالى، وهو إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، قال في كتابه العزيز "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ"، وقال في موضع آخر وهي الآية التي ذكرها السائل "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"، ففعله جل وعلا لا يخرج عن حدود الحكمة علمناها أو جهلناها، وهو تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، له القدرة المطلقة، له كمال القدرة وإطلاقها، وله منتهى الحكمة وغايتها سبحانه، وإنما ذكر أهل العلم بعض الحكم التي استشفت التي أخذت من خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ومن هذه الحكم تعليم العباد التريث والتثبت، وبعضهم قال في الأمور الجلل فإن الله تبارك وتعالى أراد تعليم عباده أن يتثبتوا وأن يتريثوا في الأمور العظيمة، إذ هو جل وعلا لو شاء أن يخلق السماوات والأرض مرة واحدة لفعل، ولكنه أخبرهم أطلعهم أنه خلقها في ستة أيام أي خلق السماوات والأرض في ستة أيام تنبيهاً لهم على هذا المعنى وتعليماً لهم لمعنى التثبت والتأني في الأمور العظيمة، ومن الحكم أيضاً التي يمكن أن تؤخذ هو تعليم العباد مبدأ التدرج، إذ هذا التدرج هو الذي يؤخذ منه تؤخذ منه النواميس والقوانين، قانون المسببات والأسباب، فحينما يأتي العباد لاكتشاف حكمة الله عز وجل في هذا الكون الفسيح بسماواته وأرضه فإنهم يتعرفون على النواميس والقوانين التي أودعها الله عز وجل فيه، هذه القوانين تتكامل في هذا الكون ويتولد بعضها من بعض وبعضها سبب للآخر وبعضها مسبب أو مسبب عن الآخر، فهذا التكامل في الصنعة الإلهية هو من المقاصد التي أراد الله عز وجل أن يعلمها عباده حينما خلق السماحين خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ومن المعاني أيضاً التي ذكر أو من الحكم التي ذكرها أهل التفسير والعلماء في هذا الباب هو أنه جل وعلا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فهو في بعض ما قضاه جل وعلا أوجده مرة واحدة، أوجده بكن فكان دون بذل مجهود، فلا راد لحكمه سبحانه وتعالى ولا معقب لقضائه، وهذه الكينونة المعبر عنها بكن فيكون إنما يقصد بها مجرد توجه الإرادة الإلهية إلى ذلك المراد فيكون، فيوجد، فتوجهت إرادة الله تبارك وتعالى في خلق السماوات والأرض أن يكون بهذه الكيفية، فهي لا تختلف عن قانون كن فيكون وإنما من حيث كيفية الخلق أراد الله عز وجل أن تكون كذلك، أن تكون في ستة أيام وأن تكون متدرجة بهذا التدرج وسائرة على هذا الناموس الرباني الذي وضعه في الخلق فمن أجل ذلك يبين لهم أن بعض ما أوجده الله تبارك وتعالى وقضى به فإنه يمكن أن يوجد على قانون كن فيكون دفعة واحدة أو أن يكون ذلك بحسب مقتضى حكمته ومشيئته جل وعلا على تدرج وفي أيام، بعض أهل العلم نظر في هذه الأيام وقال أي أيام هي؟ هل هي من أيامنا التي نعهدها ونحن والحديث والموضوع هو خلق السماوات والأرض فمعلوم أن ذلك كان قبل خلق السماوات والأرض، لكن لا حاجة إلى الدخول في هذا الموضوع لأن الله تبارك وتعالى يخاطبنا بما نعقل وأحسن ما يقال بأنها مدة زمنية تساوي ما نعرفه نحن من الأيام الستة، ثم إن هناك حكمة أخرى ذكرها أيضاً بعض أهل العلم وهي الحكمة المتعلقة بالرد على اليهود الذين زعموا أن الله تبارك وتعالى خلق الكون في ستة أيام فتعب سبحانه وتعالى وتنزه عما يقولون في اليوم السابع ذهب ليرتاح، ولذلك رد الله عز وجل عليهم بأن بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يكون في ذلك مجهود أو معالجة أو تناول ولذلك قالوا وما مسنا من لغوب سبحانه، فإذاً مجموع هذه هي الحكم التي تؤخذ من كون خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وظهر أنه لا تعارض بينها وبين مبدأ كن فيكون وأن لله تبارك وتعالى مطلق القدرة وكمالها ومنتهى الحكمة وغايتها غايتها، وأن الأمر بكن إنما هو مجرد توجه إرادة فإذا بالشيء المراد يكون ويوجد، لا بمعالجة ومجهود منه سبحانه وتعالى وإنما بمقتضى أمره إياه، فهذه هي المعاني التي ذكرها أهل العلم والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- مدة خلق السموات والأرض الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- تدبير الأمر وعروجه في يوم مقداره ألف سنة الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- خلق سبع أرضين مقابل السموات الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم القول بأن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ما تفسير آية ملكوت السماوات والأرض؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي