السؤال
السؤال الثاني قد أعيد صياغته قليلا هو يسأل على كل حال الوطن بين يعني الفطرة والإيمان وأحال الموضوع إلى القضية الإيمان المصطلح وهي إحالات قد تكون غريبة أحيانا لكن عندما نريد أن نقول أن هذا الموضوع فطري ما معنى أن يكون هذا الأمر فطريا حتى تكون يعني المصطلحات واضحة؟
الإجابة
الأصل في الأمر إذا كان فطريا أي مما فطر الله تبارك وتعالى الناس عليه أي الجبلة التي أوجدهم عليها فمقتضى هذه الجبلة من نحو حب الأبوين على سبيل المثال هذا فطرة في المولود أن يحب والديه وهذا هو المقصود هناك أعمال هي في خلق هذا الإنسان وجدت فطرة فيه أي أن الله تعالى جبله عليها هذه هي الفطرة بمعناها البسيط. ما علاقتها بالإيمان؟ الإيمان لأن الله تبارك وتعالى أوجد هذا الإنسان وقد فطره على الإيمان، هذا يؤخذ من أحاديث من جملة أدلة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشهر ما يستشهد به من حديث واضح صريح هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فالمقصود بأن المولود يولد وفطرته سليمة سوية أي أن يكون موحدا لله تبارك وتعالى وأن يدرك أن هذا الخالق موصوف بصفات الكمال والجلال وله القدرة المطلقة والإرادة الكاملة وأنه هو مخلوق لهذا الخالق وأن الكون من حوله إنما هو من خلق هذا الخالق ف وأن هذا إذا كان يعني إذا كانت فطرته كذلك لنضرب مثلا فطرة المعادن أنها تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة هذه فطرة فيها لأن الله تبارك وتعالى جبلها على هذه الخصائص ركب فيها هذه الخصائص كذلك هذا الإنسان ركب الله عز وجل فيه جبلة الإيمان به تبارك وتعالى وإدراك أن له خالقا وأن هذا الخالق موصوف بصفات الكمال المطلق وأن الكون من حوله أيضا من صنع هذا الخالق وهذه الفطرة إما أن تعزز بالأدلة النقلية والعقلية فتنسجم هذه الأدلة مع الأدلة الفطرية فتستقيم حياة هذا الإنسان لتكامل هذه الأدلة والبراهين عنده وإما أن يطرأ على هذه الفطرة ما ينكد عليها ويشوهها إما من تشويه في الأدلة السمعية أو انحراف في الأدلة العقلية والاستنتاج العقلي وهذا أيضا مما خلقه الله تبارك وتعالى في بني آدم حينما أشهدهم وهم ذرية في ظهر آدم عليه السلام فأشهدهم الله تبارك وتعالى أي أشهد ذرية بني آدم ولذلك قيل الذرية هي من الذر أي أنهم كانوا في عالم الغيب ذرا فأشهدهم على ربوبيته سبحانه وتعالى وبين أن المقصود من ذلك حتى لا يحتجوا عليه فيما تقوم فيه الحجة بالفطرة والعقل أنهم لم يأتهم ما يبين لهم وما يحتجون به أو ما يهديهم إلى هذه الحقائق الإيمانية التي تقوم بالفطرة والأدلة العقلية السوية هذا هو المقصود. أين يقع الوطن من هذه المواضع التي تفضلتم بها؟ يعني وقعت الإشارة فيما تقدم إلى أن الفطرة هي ما جبله ما جبل الله تبارك وتعالى الناس عليه فبنو آدم مفطورون على حب الأرض التي نشأوا فيها وترعرعوا فيها وأكلوا من خيراتها وقضوا فيها طفولتهم وتعرفوا فيها على أترابهم فيشعرون بانتماء ويشعرون بصلة بينهم وبين تلك الأرض، هذا المعنى الفطري هذا الجانب هو معنى الجانب الفطري في الإيمان تعززه بعد ذلك أدلة شرعية، نحن نجد أن ربنا تبارك وتعالى جعل من عقوبات بني إسرائيل الإخراج من الأرض وجعلها بإزاء قال (أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) فجعلها في قرن مع قتل الأنفس أو الإخراج من الديار، وعاتبهم على أنهم في بعض القضايا من العقوبات أنهم يخرجون فريقا منهم من ديارهم ويسكتون عن ذلك في مواضع أخرى فالإخراج من الوطن لأن الإخراج من الوطن فيه نوع عقوبة لما يورثه من صعوبة وتكلف لدى هذا الإنسان فالشعور بالغربة وبالبعد عن الوطن والتهجير عنه يجعل الإنسان وكأنه مبتوت عن جذوره وأصوله التي ينتمي إليها، هذا المعنى كما قلت ملحوظ في الأدلة الشرعية ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب مكة المكرمة ولما اضطره قومه إلى الخروج منها التفت إليها وبقلب حزين منكسر ويقول (والله إنك لأحب البلاد إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت)، ثم لما استوطن هو عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام رضوان الله تبارك وتعالى عليهم المدينة المنورة فإن طائفة منهم في أول الأمر استوخموا المدينة وتاقت نفوسهم شوقا إلى مكة لأنها مرابع طفولتهم وهي المعاهد التي نشأوا فيها وارتبطوا بها، فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا أن تحول حماها إلى خارجها وهذا أيضا فيه دليل على أن للوطن وللأرض التي يعيش فيها هذا الإنسان ويحيا حقوقا عليه، ولذلك نجد في دعاء إبراهيم عليه السلام الخليل وهذا الدعاء ورد مرتين قال (اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) لأن أمان الأوطان سبب للإعانة على توحيد الله عز وجل وعبادته، هذا المعنى ملحوظ في دعاء إبراهيم عليه السلام بل هو صريح في بيان أنه توجه إلى ربه تبارك وتعالى بأن يكتب الأمن لتلك الأرض لمكة المكرمة التي أمره ربه تبارك وتعالى أن يهاجر إليها وأن يترك فيها ولده إسماعيل وهو رضيع مع أمه في واد غير ذي زرع فأول ما دعا إبراهيم عليه السلام دعا اجعل هذا بلدا آمنا، ثم كرر الدعاء لما صار ذلك الموضع صار بلدا قال (اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) في آية (وارزق أهله من الثمرات) أيضا، كذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا كان في سفر لغزو أو غيره ثم رجع إلى المدينة المنورة فإنه إذا اقترب من المدينة يحث راحلته يوضع ناقته أي يحث يحثها لأجل أن تصل إلى المدينة المنورة ارتبط حتى بأحد وقال هذا أحد جبل يحبنا ونحبه مع أن الذكرى التي كانت في أحد كانت ذكرى مؤلمة، فهذه أدلة شرعية يؤخذ منها ما للوطن وللأرض التي يعيش فيها هذا المكلف، وإن كان هذا الشرع قد جاء بمفهوم الأمة لكن ليس هناك تعارض بين أن يكون المسلم فردا في أمة لها دينها وملتها وشعارها ومناسكها ومنهاجها وهي خير أمة بنص كتاب الله عز وجل حين قال ربنا (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، لكن هذا لا يعني نفي الارتباط بالوطن إيمانيا وأداء حقوق الوطن، نجد في ما قصه لنا ربنا تبارك وتعالى من دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم كانوا يخاطبون أقوامهم يا قومي يا قومي هذا يعني أنهم يذكرونهم بالآصرة التي تجمعهم بها تجمعهم بهم وينظرون في وجوه الخلل والفساد المنتشرة فما من نبي أو رسول إلا وسعى إلى إصلاح المجتمع الذي هو فيه إلى إصلاح بني قومه وإلى نهيهم عن المنكرات التي تنتشر فيهم فكانوا يشخصون الأدواء والعلاج التي تجب فما كانت دعوتهم دعوة إيمانية مجردة عن الالتفات إلى ما يصلح أحوال الناس وما يصلح معايشهم وما ينفي عنهم وجوه المنكرات والفساد وما يورثهم طمأنينة وأمانا يمكنهم من توحيد الله عز وجل وعبادته الموضوع ذو شجون موضوع طويل وإنما بحسب ما سألتم والله تعالى الموفق. جزاكم الله خير فضيلة الشيخ وشكرا جزيلا لكم أعزائنا نشكر وإياكم فضيلة الشيخ الجليل الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عمان نشكركم أيضا على متابعتكم نلقاكم بحول الله تعالى في الحلقة القادمة إلى ذلك الحين نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الوطن بين الفطرة والإيمان الاصطلاحي سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- لماذا الأقلية تتبع دين الفطرة مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- استقبال مكالمة ومتعلقات سؤال سابق سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- كيف يواجه المسلم التحولات السياسية والفكرية المعاصرة بهويته الإسلامية سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ما هو دور الأسرة في الإسلام فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي