السؤال
في هذه الفترة حدثت الكثير من المتغيرات في الجوانب السياسية والثقافية والفكرية وغيرها، والمسلم اليوم يعيش أو يشاهد الكثير من المتغيرات، كيف ينطلق المسلم في مواجهة هذه المتغيرات من جذوره الثقافية وقيمه العليا دون أن يفقد رسالته في هذه الحياة وخصوصيته الثقافية؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن هذا السؤال الذي تفضلتم بطرحه يمثل قضية جوهرية، ورغم أنها في الأدلة الشرعية واضحة، ظاهرة جلية لا تحتاج إلى كثير من العناء لأجل استخلاص الجواب منها وتبيينه للناس، إلا أنها رغم تقادم الأزمان وتوالي الأحداث وتغير الظروف ومرور المسلمين بكثير من الفتن، إلا أنهم ظلوا حيارى في معرفة كيف يتعاملون مع هذه التحولات الكبرى الجارية من حولهم في مختلف الأصعدة، سياسية كانت أو ثقافية أو معرفية أو فكرية أو دينية أو فيما يتعلق بالقيم والأخلاق السائدة في العالم من حولهم. وظني أن مرد ذلك يرجع إلى خلل في التصور، ذلك أن ما يعرف اليوم بالثقافة، إذا أخذنا التعريف الاصطلاحي المتعارف عليه، دون غوص في عمق دلالة المصطلح وجذوره، وإنما ما يفهمه عامة الناس من معنى الثقافة وما تمثله الثقافة من مجموع العادات والتقاليد والأعراف والقيم وسعة الاطلاع وتنوع المعارف والفنون والآداب التي تسود المجتمع والتي يحملها أفراد هذا المجتمع، فإن كل ذلك في دين الله تبارك وتعالى لا بد أن ينبثق من الإيمان بالله عز وجل. هذا هو الفارق الجوهري، فلئن كانت الثقافات الأخرى وما عند غيرنا من معارف وفنون يمكن أن تكون مرتكزة إلى أسس متنوعة متعددة، فهي في هذه الأمة ترتكز حول الله تبارك وتعالى. فالمطلوب الأول الذي جاء به الوحي هو أن يكون القلب والحياة والقيم والأخلاق والعلوم والمعارف وكل ما يصوغ هذا الإنسان ويشكل له ماهيته وهويته منبثقا، منطلقا، مرتكزا على الله تبارك وتعالى. عنه يصدر، ويأتي ويذر، ويشكل رؤيته في كل القضايا وعلى مختلف الأصعدة، ومنه يستمد الهدى والحكمة والرشد، ومنه يأخذ التشريع ويهتدي بهذا التشريع، بهذا الوحي في قيمه وأخلاقه، وفي صناعة معرفته في هذه الحياة، وفي تشكيل هويته، وفي صياغة كل ما يخطر له مما يحتاج إليه من القيم والأخلاق والمعارف. هذا فارق جوهري، ونظرة فاحصة في كتاب الله عز وجل سنجد أن المقصود الأعلى في كتاب الله تبارك وتعالى في كل ما جاء به هذا الكتاب العزيز فيما يتعلق بالأحكام، فيما يتعلق بقضايا الإيمان والتصور، وفيما يتعلق باليوم الآخر، فيما يتعلق بسير وقصص الأنبياء والمرسلين، وفي العبادات والمعاملات والحقوق والأخلاق، سنجد أن المقصود أن تكون الحياة معمورة بالله تبارك وتعالى، أن تكون القلوب معمورة بالله تبارك وتعالى، أن يكون المرتكز الذي ترتكز عليه حياة الفرد والمجتمع والأمة والناس أجمعين إنما هي تستند إلى الله تبارك وتعالى الإله الخالق الرب الحكيم المدبر. ثم بعد ذلك، وهذا سيسهل علينا كثيرا أن نفهم موقف المسلم إزاء هذه التحولات الكبرى، إذا صحح نظرته وانبثق من إيمانه بالله تبارك وتعالى وعمر قلبه بالله عز وجل، فإنه حينئذ سيخرج إلى الدائرة الأقرب إلى هذا المرتكز، هذه الدائرة الأقرب هي حقيقة هذه الحياة الدنيا، أنها وسيلة وليست بغاية، وأن وراءها حياة أبدية وهي الحياة الآخرة، وأن هذه الوسيلة قد سخر الله تبارك وتعالى له فيها كل ما في هذا الكون لأجل تحقيق المرتكز، لأجل تحقيق الغاية التي ينبثق منها أو الحقيقة التي ينبثق منها وهي إيمانه بالله تبارك وتعالى. وأن كل ما كان خارجا عما ينبثق عنه هذا المسلم من إيمانه بالله تبارك وتعالى ومن تصوره الصحيح للحياة الدنيا وللحياة الآخرة، فإنه أيضا يأخذه من إيمانه وعقيدته. فما حقره الله تبارك وتعالى فهو عنده محقر، فالكفر والظلم والبغي والعدوان والشر والباطن والباطل مهما علت في أنظار الناس ومهما زيفت حقائقها ومهما صورت على غير حقيقتها، فهي عند هذا المسلم، في ثقافته وفي تصوره وفي إيمانه، هي مساخط محقرة في دين الله تبارك وتعالى، وإن ظهر أن لها صولة وأن لها بطشا وسطوة على واقع حياة الناس لكنها عند هذا المسلم محقرة لأن الله تبارك وتعالى حقرها. وهي مساخط لله تبارك وتعالى، يقابلها المعاني الكبرى التي جاء بها الأنبياء والمرسلون والتي نصبها الدين، نصبها الله تبارك وتعالى للناس في هذه الحياة لتكون لهم المراشد والهدايات: الحق والخير والرشد والصلاح والعدل والإنصاف. هذه معظمة في دين الله تبارك وتعالى، وهذه هي التي تصوغ للمسلم رسالته كما تفضلتم في السؤال. فما كان من الحق فهو معه، وما كان من العدل فهو ناصر له، (وَمِن مَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، وما كان من معاني الخير والرشد فإنه يسعى إليه، يمتثله في نفسه ويبسطه في هذه الخليقة. وما كان على خلاف ذلك فإنه يناوئه وينزله منزلته الوضيعة المحقرة كما تقدم، ولا يسمح له بأن يؤثر على معاني العدل والخير والحق والبر والمعروف والإحسان. بهذا يصوغ المسلم ثقافته، ويبني عليها معارفه وعاداته وتقاليده والفنون والمعارف التي يكتسبها ويصوغ بها، يهندس بها حياته بأسرها، ولذلك فإنه حينما تمر به هذه الظروف فإنه يقيسها بهذه المقاييس، هل تنطلق من إيمانه بالله تبارك وتعالى؟ هل تسعفه في غايته التي سيؤول إليها وهو الحياة الآخرة؟ هل تصرفه لأنها وسيلة في هذه الحياة الدنيا فتتحول معه إلى غاية؟ أم أنها من معاني الظلم والبغي والعدوان؟ ولذلك فإنه يكون عدوا لها، مبتعدا عنها، محذرا منها، ساعيا إلى إبطالها، مستمسكا بمعاني العدل والحق والتعاون على البر والخير ونشر الهدى والرشد في الناس. هذا هو الذي ينبغي للمسلمين اليوم أن يرزوا إليه، إذا فعلوا ذلك سيكون عندهم ترتيب صحيح لأولوياتهم، ستختفي الكثير من الخصومات والنزاعات التي تنشأ لأسباب مذهبية أو لأسباب طائفية أو عرقية أو غيرها من الأسباب المحقرة في دين الله تبارك وتعالى. وسيجتمع مع إخوانه ممن ينتسب إلى هذه الأمة الوسط التي جعلها الله تبارك وتعالى وأخرجها للناس خير أمة أخرجت للناس، سيلتقي معهم على معاني الحق والعدل، والحق واضح، والعدل واضح بين جلي، والخير كذلك، وما عدا هذه الخصال والقيم الكلية الكبرى النبيلة من الظلم والشر والفساد فإنه يكون مناوئا له، بعيدا عنه، محذرا منه، متعاونا مع إخوانه من أهل ملته، من أهل القبلة، على التصدي له وعلى نصرة المظلومين والوقوف مع القضايا العادلة ونبذ كل ما يصرف المسلمين عن هذه الغايات السامية والمقاصد الكبرى. ولذلك فنحن إذا تأملنا اليوم سنجد أن المسلمين وقعوا في فخ الانصراف عن المعاني الحقيقية وعن جوهر ما نعرفه اليوم بمعنى الثقافة الأصيلة المنبثقة من هويته والتي تشكل لهم هويتهم وتشكل لهم عاداتهم وتبين لهم معالم طريقهم في هذه الحياة الدنيا، ينصرفون عن كل ذلك، وإذا بهم يقعون فيما كان الواجب أن يكونوا أبعد ما يكونون عنه، فإذا بهم يوالون أهل الباطل وينصرون الظلم ولا يعينون على بسط العدالة، بينما هذه القضايا اليوم لا تخفى على أحد. يشتغلون بصغائر وبتوافه، وهم يصورون هذه المحقرات، يصورونها على أنها -أي البعض منهم يصورونها على أنها- هي الدين وهي غاية ما يسعى إليه المسلم. كيف يمكن أن يقبل هذا ممن يخذل عن الحق ولا يعين ولو بكلمة على بسط العدالة في هذه الأرض والله تبارك وتعالى قد أمر عباده بذلك؟ أخبرنا القرآن الكريم عن جوهر رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جملة قرآنية من ثلاث كلمات: (وأمرت لأعدل بينكم)، هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب المشركين يقول: وأمرت لأعدل بينكم، هذه رسالته، وربنا تبارك وتعالى يقول: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). فكيف بعد هذا كله يتخلى المسلم بدعوى الاشتغال ببعض القضايا الهامشية بالنظر إلى هذه القضايا الجوهرية، فإذا به يحدث في هذه الأمة مزيدا من الفرقة والشتات والتنازع والاختصام، وإذا به يمكن عدوه منه، فيزداد ضعفا وذلة وهوانا، وهو يسلي نفسه ويسلي غيره من أتباعه بأنه مشتغل بمواجهة البدع وأهل البدع، ويصنف الناس ويتهمهم في نواياهم ومقاصدهم، ويشحذ لهذه الأعمال التي تفرق ولا تجمع وتغرر بالناس وتبعدهم عن هذه الحقائق الكبرى، يشحذ لذلك كل الوسائل والهمم وكأنه إنما سلط لخدمة مقاصد عدو هذه الأمة منها لإحداث الفرقة ولإضعافها ولبث التنازع والتخاصم فيها. فلا أظن أن -واعذرني على الإطالة- لكن لا أظن أن الجواب عن هذا السؤال صعب وإنما نحتاج إلى ترتيب أفكارنا وفقا لما تقدمت الإشارة إليه، والتفصيل فيه يطول في الجهتين؛ في جهة من ينبثق من تصوره النابع عن وحي الله تبارك وتعالى ومراشد هذا الوحي، وفي جهة أولئك الذين يخذلون ويبنون ما يبنونه من تصوراتهم على تفسيرات باطلة ولا يسعفهم تاريخهم ولا واقعهم على تأكيد ما يدعونه من أنهم مناصرون للحق، فسيرتهم أبعد ما تكون عن سيرة بسط الحق والتعاون على الخير وجمع كلمة هذه الأمة وحاضرهم اليوم كذلك. هذا الذي أحدث السواد الأعظم من المسلمين على دراية ووعي، هذا الوعي هو مغنم مع هذه الفتن المتلاحقة وهذه العداوة الظاهرة وهذا الظلم الذي يعاني منه كثير من المسلمين اليوم لا سيما في الأرض المقدسة وفي غزة وفي عموم فلسطين وفي كثير من بلاد المسلمين، فمن وراء هذه المحنة منحة جلية في أن السواد الأعظم من أبناء هذه الأمة قد استيقظ من رقدته وأعاد ترتيب أولوياته، وهذا هو الذي أقلق كثيرا أيضا من أهل النفاق والشقاق في هذه الأمة ليبثوا سمومهم وليجذبوا الناس إلى قضايا خلافية وإلى فروع وجزئيات وترك القضايا الكبرى التي تجمع هذه الأمة. وإذا بهم حينما يستدلون لمسلكهم هذا لا يأتون بآية واحدة ولا بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن يدعي العلم منهم فإن غايته أن يأتي بأقوال بعض أهل العلم مجتزأة من نصوصها ويمكن إثبات ذلك، وإلا فإن وعي المسلمين اليوم كما تقدم مغنم، وينبغي أن يوجه الوجهة الصحيحة، فالثقافة تحتاج إلى أمرين؛ تحتاج إلى أن تسند إلى أصلها وأصلها هو الذي تقدم بيانه، وأن توجه الوجهة الصحيحة لأن موارد الثقافة متسعة واسعة، فإذا تمكن المسلم منها فإنه يمكن له أن يوجهها الوجهة الصحيحة بناء على الأصل الذي يرتكز إليه، بناء على المستند الذي ينطلق منه. فهذه الخلاصة الطويلة نوعا ما تريد أن تضع المعالم للناس وإن أسعف الوقت يمكن التفصيل فيها بمشيئة الله تعالى.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- رسالة للصم والبكم في رمضان وأهمية الوصول إليهم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- أسباب فرقة المسلمين وانقسامهم وسبل زوال هذه الفرقة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- مخاطبة البشرية بالإسلام مع تعدد الملل والشرائع سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ما موقف القرآن من حوار الحضارات؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- توجيهات لطلاب العلم في مطلع العام الدراسي الجديد سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي