معنى الدعاء والعبادة في قوله تعالى ادعوني أستجب لكم

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-01

السؤال

ما معنى الدعاء والعبادة في قوله تعالى: "وقال ربكم ادعوني استجب لكم. إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فإن الدعاء معلوم، ومعناه كما يفهمه المسلمون من نصوصهم الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن تراثهم الشرعي هو النداء من حيث الوضع اللغوي، أي الدعاء هو النداء لغة. وأما اصطلاحا فهو نداء مخصوص لأنه يتضمن طلب هذا الداعي، طلب السائل تحقيق بغيته من مسؤوله وهو الله تبارك وتعالى، فالدعاء بالمعنى الاصطلاحي هو طلب استحقاق طلب إجابة سؤال من الله تبارك وتعالى. هذا هو الدعاء، الدعاء الذي يعرفه الناس، وهو المقصود بهذه الآية الكريمة أي التوجه إلى الله تبارك وتعالى بطلب الحاجات وسؤال قضائها منه جل وعلا وحده، "وقال ربكم ادعوني استجب لكم". ثم ختمت الآية على جهة التعليل "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"، ومعنى داخرين أي أذلاء مهانين. فلم يقل إن الذين يستكبرون عن دعائي، وإنما قال "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين". مع أن العبادة أيضا معناها معلوم، وهو أي معنى العبادة في الاصطلاح الشرعي الطاعة والانقياد بتذلل وخضوع للمعبود الذي يدينون به وحده وهو الله تبارك وتعالى. هذا هو معنى العبادة، الطاعة المطلقة والاستسلام والانقياد مع الاستكانة والخضوع لله تبارك وتعالى وحده في كل أمر من الأمور، هذا هو معنى العبادة. ومع ذلك نجد أن المفسرين اختلفوا في توجيه هذه الآية الكريمة، فمنهم من حمل الدعاء المأمور به "وقال ربكم ادعوني" على معنى العبادة، ومنهم من حمل العبادة المذكورة في آخر الآية "إن الذين يستكبرون عن عبادتي" على معنى الدعاء. والسبب في ذلك هو تقارب حقيقة المصطلحين، فإن الدعاء والعبادة كليهما يقتضيان تذللا وخضوعا وإظهار افتقار للمسؤول، مع يقين واعتقاد أن الذي يتوجهون إليه قادر جدير بالسؤال، وأنه مستحق لهذا السؤال، وأن له القدرة المطلقة في إجابة ما يتوجهون به إليه. هذا قدر مشترك بين الدعاء والعبادة، فهو الذي أفضى بكثير من المفسرين إلى توجيه كل مصطلح بالمعنى الآخر، معنى المصطلح الآخر. والذي زاد الأمر عندهم تفصيلا رواية من طريق النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ "وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين". فلما قال عليه الصلاة والسلام "الدعاء هو العبادة" فإن هذا الأمر زاد المفسرين مزيدا من التعقيد في جعل المصطلحين أو الاصطلاحين وكأن لهما حقيقة مشتركة. ولسنا بحاجة إلى ذلك، فإن الدعاء معروف وحقيقته التوجه بالسؤال والضراعة إلى الله تبارك وتعالى لطلب قضاء الحاجات، وهذا يستدعي لا ريب التذلل للمدعو لله عز وجل، واليقين بأنه قادر وأنه يجيب هذا الدعاء وأنه سميع مطلع، وأن بيده تدبير الأمور وتصريفها كلها. وأما العبادة فهي أوسع معنى، فهي بمعنى الطاعة المطلقة لله تبارك وتعالى في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه. وتوجيه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "الدعاء هو العبادة" هذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، وفيه ما يعرف بأسلوب القصر لتعريف المسند والمسند إليه والإتيان بضمير الفصل بينهما، "الدعاء" و "العبادة" كلاهما بـ "ال" التعريف، ثم بينهما ضمير الفصل "الدعاء هو العبادة". لكن هذا الأسلوب إنما هو إضافي بمعنى أنه يراد منه تأكيد هذا المعنى، وكأنه يقول الدعاء هو لب العبادة، أو الدعاء هو جوهر العبادة، الدعاء هو أصل العبادة، الدعاء هو أس العبادة. أو أن الدعاء هو العبادة حقيقة، الدعاء هو العبادة حقيقة، وهذا لنفي ما يتوهمه المخاطبون من أن الدعاء شيء مختلف عن العبادة، وأن لهم أن يستعينوا في دعائهم بشفعاء، أو أن يعرضوا عن معبودهم في الدعاء، فدفع توهم ذلك بما ورد في كتاب الله عز وجل من استعمال الدعاء ثم إتباعه بالعبادة، وما ورد أيضا في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن الدعاء هو العبادة. فينتفي الإشكال بذلك، فيبقى لكل مصطلح منهما معناه وتفسيره الخاص به، إلا أن بينهما قدرا مشتركا، هناك تماثل في الحقيقتين بين حقيقة الدعاء وحقيقة العبادة، لكن هذا التماثل لا يبلغ حد اتحاد الحقيقتين، هناك قدر مشترك. وهذا القدر المشترك كما تقدم يتعلق بطرفي المصطلحين، فالدعاء هناك داع وهناك مدعو، والعبادة هناك عابد وهناك معبود. ففي الطرفين في طرف الداعي والعابد لا بد من تذلل واستكانة وخضوع ويقين، وفي طرف المدعو هو قادر مطلع سميع بصير حكيم مدبر. وهذه المعاني المشتركة هي التي نفهم بها معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "الدعاء هو العبادة". وعلى هذا فإن هذه الآية الكريمة لا حاجة إلى أن نتأولها، فكل مصطلح منها جاء على بابه "وقال ربكم ادعوني استجب لكم"، لأن الذين حملوا الدعاء هنا على العبادة لم يؤولوا الدعاء فقط بل أولوا "استجب لكم" قالوا إنه بمعنى الأثر بمعنى الثواب لأن أثر الطاعة إذا حملوا الدعاء على العبادة فإن نتيجة ذلك ثمرة ذلك الثواب، أي اعبدوني أثبكم، هكذا قالوا، فأولوا التركيب المصطلحين أو أولوا التركيب كله في مصطلحي "ادعوني" وفي الجواب "استجب لكم". ولا حاجة إلى ذلك كما تقدم، يجري كل تركيب في هذه الآية القرآنية على ما يدل عليه وإن كان يدل بالتضمن على المعنى الآخر، فإن إجابة الدعاء تعني تحقيق الأثر، هذا إذا كان الدعاء محققا لشروطه، وكذا الحال بالنسبة للعبادة فإنها متضمنة معنى الإقبال على الله عز وجل والتوجه إليه في كل ما يهم هذا العبد، ولذلك قال "إن الذين يستكبرون عن عبادتي" هذا الذي يأنف ويستكبر عن دعاء الله عز وجل فإنه يستكبر ويأنف عن عبادته جل وعلا ولذلك قال "سيدخلون جهنم داخرين". إذاً يجري كل مصطلح على بابه وهو معنى كل مفردة من هاتين المفردتين هو ما هو مقرر في كتب أهل العلم من معنى الدعاء ومن معنى العبادة، إلا أن بينهما قدرا كبيرا مشتركا في الذات وفي الشروط والأوصاف، هذا والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

معنى الدعاء والعبادة في قوله تعالى ادعوني أستجب لكم
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي