السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. سرورنا لا يوصف في إتاحة الفرصة مرة أخرى للجلوس معكم وطرح أسئلتنا عليكم. أود أن أبعث برسالة قبل أن أطرح سؤالي إلى إخواني الصم والبكم في عمان. نحن في خير وفضل من الله عظيم أن وجد في بلادنا أمثال هؤلاء العلماء الذين شرحوا وفتحوا لنا صدورهم قبل أبوابهم، نستطيع الوصول إلى أحكام ديننا بسهولة، لذلك اعتنوا بهذا الجانب في البحث عن أحكام دينكم. أما سؤالي اليوم أسأل فضيلة الشيخ عما يمور في العالم من أحداث وصراعات كبرى يشاهدها الجميع، ونعلم أن جزءا من بلاد المسلمين دخلت في أتون هذه الصراعات والاقتتال، ولهذه الحروب آثار على الأفراد والمجتمعات كما أن لها آثارا على الدول. المحزن في الموضوع أننا نرى كثيرا من أبناء المسلمين يدخلون في مهاترات وشماتات عبر وسائل التواصل فنريد منكم توجيها في هذا الشأن.
الإجابة
الجواب هذه قضية جديرة بالوقوف عندها وبمناقشتها، ولا يسمح الوقت بإطالة القول فيها، وحسبي أن أذكر ببعض آيات من كتاب الله عز وجل، لو أن المسلمين اليوم اعتمدوا عليها وعادوا إلى ما تدلهم عليه لأغنتهم عن كثير من هذه السجالات والمهاترات، ولتبين لهم الرشد في ما يأتون وما يذرون إزاء هذه المحن المتلاحقة والفتن المتلاطمة. فدين الله تبارك وتعالى لم يترك الناس هملا ولم يترك عباده المؤمنين ليكونوا أسرى لأهوائهم ورغباتهم، وإنما نصب لهم موازين القسط في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ونحن إذا رجعنا إلى هذه الأصول القرآنية فلا ريب أننا سنجد أنها النور الذي نهتدي به في هذه الظلمات. ومن العجيب أن يعرض عنها الناس اليوم، فكيف يهملون قول الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. هذه الآية الكريمة من سورة المائدة تضع للمسلم الميزان الذي يسير به حينما تدلهم أمامه الخطوب وتكثر هذه الفتن وتتلاطم أمواج الملاحم، فهو مأمور أن يكون قائما بأمر الله عز وجل، شديد القيام بأمر الله عز وجل بعهده ومواثيقه بمقتضيات إيمانه وإسلامه وعبوديته لله تبارك وتعالى لا يبتغي إلا رضا الله عز وجل مخلصا له الدين ناصحا للمسلمين لأمته لكتابه لدينه، وهذا معنى كونوا قوامين لله، ثم يقول شهداء بالقسط، وبأبسط معاني القسط هو العدل في ما لك وما عليك، فمأمور منه أن يدفع الظلم وألا يعين عليه وأن يقول كلمة الحق وأن يناصر المظلوم وأن يسمي الأسماء بأسمائها، فالظالم عنده ظالم، المعتدي جبار آثم في موازين هذا الشرع، والمظلوم المستضعف المعتدى عليه جدير بالمناصرة والعون، ولهذا قال ربنا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، وعلم أن هذا الأمر قد تسعى فيه النفوس إلى شيء من الميل والمحاباة ولذلك أتبع هذا الأمر الرباني بقوله ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، ويؤكد مرة أخرى ويقول اعدلوا هو أقرب للتقوى، ما الذي يريده المسلمون أوضح من هذه الآية الكريمة في المنهج الذي يسيرون عليه حينما يواجهون هذه الفتن وحينما تمر بهم هذه الأزمات؟ هل هناك ما هو أسلم وأوضح وأعدل من هذا الميزان القرآني الرباني؟ لا يوجد، ولذلك قال واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. ويتأكد هذا أيضا في آيات أخرى كثيرة من كتاب الله عز وجل، فالله تبارك وتعالى يقول مخاطبا بني إسرائيل يقول ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون، يعلم هذه الأمة ألا تقع في ما وقع فيه غيرها من الأمم السابقة حينما لبست الحق بالباطل واتبعت أهواءها وكتمت الحق مع علمها به لأهواء ورغبات شخصية ونفسية ودنيوية، فلم يقيموا لله تبارك وتعالى حقا ولن ينصبوا لدينهم شيئا مما يمكن أن يبرئ ذمتهم أمام ربهم تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، وإنما اتبعوا أهواءهم. فالغريب أن الآية، آية المائدة: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، في نفس السورة نجد أن الله تبارك وتعالى يبين لهذه الأمة يغنيها عن كثير بحث وعن الحيرة والتيه في معرفة عدوها من غيره، فالله تبارك وتعالى يقول في نفس السورة في سورة المائدة لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ومع ذلك تجد بعض المسلمين اليوم يمارون في هذا المبدأ القرآني ويجادلون بالباطل، فالأصل فيهم شدة العداوة، الأصل في ما أخبرنا به تبارك وتعالى أنه هو الحق وأن ما سواه باطل، وهذا أيضا مما نص عليه ربنا جل وعلا تبيانا للمسلمين في المنهج الذي يسيرون عليه لتبين أحوالهم وللمراشد التي يحتاجون إليها في مثل هذه الظروف والأحوال حين نجد في كتاب الله عز وجل قوله تبارك وتعالى: فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون؟ ليست هناك منزلة هذا الذي يتفرج مشاهدا أو يظن أنه محايد ويحسب أنه سالم، لأنه إن لم يكن مع الحق فليس هناك أمر آخر إلا الضلال، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون؟ إن لم يعن الحق وأهله ويدفع الباطل ويرفع الظلم قدر استطاعته بإنكار بقلبه أو بكلمة بلسانه أو بدعوة صادقة يرفعها لله تبارك وتعالى أو بمناصرة بما يستطيع بقلمه بلسانه بماله بيده لدفع الظلم والعدوان ولبسط العدل وتحقيق رسالة الحق في العالمين فإنه إن لم يفعل شيئا من ذلك فإنه سيقع في الضلال والعياذ بالله، ليست هناك منزلة وسط بين الحق والضلال، ولكن سرى إلى الناس، سرى إلى المسلمين اليوم كثير من الأوهام كثير من التسويغات النفسية والدنيوية والمصلحية التي إما أن تكون ناشئة عن جهالة أو أن تكون ناشئة عن غواية والعياذ بالله، أو عن إعراض عن هذا المنهج القرآني الواضح، فالذي يحتاج إليه المسلم اليوم هو أن يعود إلى كتاب ربه تبارك وتعالى ويستلهم منه مثل هذه المبادئ والأسس التي يرتكز عليها في تعامله مع هذه الحوادث ومع هذه الفتن وأن يترك ما سواها من المهاترات ومن الدخول في ما يزيد الهوة بين أبناء المسلمين اتساعا، وما يحدث فيهم مزيدا من الشتات والفرقة، يترفع عن كل ذلك، لكنه يكون دوما مناصرا للحق، ساعيا لبسط العدالة، قائما بالقسط، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، ناصحا، معلما، وداعيا إلى الخير بالكلمة الطيبة، داعيا إلى اجتماع الكلمة وإلى نبذ أسباب التفرق والخصومة والتنازع والشقاق: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين. هذا والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.