السؤال
الأخ حمد السعيدي فضيلة الشيخ يسأل يقول: تقدم سورة المائدة منهجاً شاملاً للوفاء بالعقود مع الله والنفس والآخرين وتبين ما يعين عليها أو يعيقها. بناءً على ذلك كيف يرتبط هذا الموضوع المحوري باسم السورة وقصة الحواريين فيها؟
الإجابة
نعم، الجواب أصاب حين وصف سورة المائدة بأنها تتحدث عن العهود والمواثيق مع الله تبارك وتعالى ومع النفس ومع الآخرين، فالمتأمل في هذه السورة يلحظ هذا ظاهراً من مبتدئها إلى منتهاها. وسورة المائدة قبل أن نصل إلى جواب ما سأل عنه، نتعرف عليها لأن في التعرف عليها إعانة لنا على فهم محل السؤال. فهي سورة المائدة أجمع سورة في القرآن الكريم للأحكام العملية الشرعية من الحلال والحرام والأمر والنهي، هذا ملحوظ فيها. ثم إنها امتازت بأنها أكثر سور القرآن الكريم مناداة للذين آمنوا، فخطاب "يا أيها الذين آمنوا" يتكرر فيها كثيراً بما لا يتكرر في سورة أخرى، ولعله يبلغ خمس عشرة مرة أو أكثر. وهذا مما يميز هذه السورة عن غيرها، وهذا يتناسب مع الميزة الأولى من أنها أجمع سورة للحلال والحرام والأمر والنهي. ثم إنها امتازت أيضاً بأن فيها آية "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"، وهذا مرة أخرى يتناسب أيضاً مع الخصائص المذكورة فيما تقدم. وكذلك من خصائص هذه السورة الكريمة أنها السورة الوحيدة التي تعرضت لقصة ابني آدم عليه السلام وحادثة القتل. وهذا أيضاً جزء من بناء هذه السورة لما ترتب على ذكر هذه القصة من عبر وعظات ولما بني عليها من أحكام تفصيلية عملية. لم سميت سورة المائدة؟ لذكر المائدة فيها. ما علاقة وهذا محل السؤال الآن، ما علاقة اسم السورة بموضوع العقود والعهود والمواثيق مع الله تعالى ومع النفس ومع الآخرين؟ المائدة طلبها حواريو عيسى عليه السلام "إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين". بينوا هنا بعد طلبهم بينوا مقاصدهم من هذا الطلب، وهذا البيان هو التزام منهم، قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين. بعض المفسرين يقول: قالوا نريد أن نأكل منها أي أكل بركة، ومنهم من يقول الأكل للطعام وللتبرك. ثم "تطمئن قلوبنا" اليقين، أرادوا طمأنينة القلب واليقين بمشاهدة حسية كما أن إبراهيم عليه السلام قال "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي". "ونعلم أن قد صدقتنا" أيضاً علم يقين لا يخالطه أدنى شك. ثم "ونكون عليها من الشاهدين". إذاً قدموا التزامات، قدموا عهوداً. هنا حكى لنا ربنا تبارك وتعالى ما حصل، قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، هذا الطلب. أضاف أغراضاً "تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين"، هذا دعاء عيسى عليه السلام أضاف إليه مقاصد، تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا بمحضر من الحواريين من قومه ممن آمنوا به من المؤمنين، وآية منك آية نراها وتحقق لهم ما أرادوا. هنا نأتي إلى الجواب، الآن هذا الالتزام والعهود والمواثيق التي يقدمونها، فيأتي العقد مع الله تبارك وتعالى يأتي الميثاق مع الله تبارك وتعالى، "قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين". نعم، هذا عقد وميثاق بينه وبين الله تبارك وتعالى. طلبتم هذا المطلب، وأظهرتم هذه المقاصد والغايات، فهناك ما يترتب ولذلك جاء بصيغة التعقيب "قال الله إني منزلها عليكم فمن، فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين"، قيل العالمين على الإطلاق وقيل عالمي زمانهم. فإذاً الآية السورة الكريمة سميت بهذا الاسم لهذه الدلالة الواضحة في أن المائدة دلالة على عهد وميثاق بين فئة مؤمنة توجهت إلى ربها تبارك وتعالى بطلب ودعاء واستجاب لهم نبيهم فتوجه إلى ربه تبارك وتعالى بهذا الدعاء، فكان تحقيق هذا الدعاء من الله تبارك وتعالى وقد رتبت عليه هذه النتيجة. فمعنى الموافقة، معنى المعاهدة والميثاق ظاهر جلي في قصة المائدة. هذا ما يحتاج إلى معرفته وإلا فالسورة وهذا السياق القرآني فيه الكثير من العبر والعظات، لكن بهذا يتضح رمزية المائدة، ولا يعني لا أقصد برمزية المائدة أن المائدة كانت شيئاً رمزياً، نعم هناك قول عند بعض المفسرين ينسب إلى مجاهد وإلى قتادة وإلى الحسن، ولكنه خلاف قول جمهور المفسرين بأنهم بعد أن قال لهم ربهم تبارك وتعالى "فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين"، أنهم طلبوا الإقالة. طلبوا الإقالة من الله تبارك وتعالى وأنه بناءً على ذلك فإن المائدة لم تنزل. هذا قول كما قلت قال به مجاهد، قال به قتادة، قال به الحسن، وانتصر له بعض المفسرين وإن كان جمهور المفسرين قد رد عليه. لكن لا أقصد كما قلت برمزية المائدة أنها كانت رمزاً وإنما أقصد بالتسمية، التسمية كانت رمز لها بهذا الاسم للدلالة على ما اشتملت عليه السورة من معان وأحكام ودلالات كلها تدل على المعاهدة والمواثيق مع الله تبارك وتعالى، توحيداً وعبودية وطاعة والتزاماً والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- تفسير آية وأما بنعمة ربك فحدث وشروط التحدث بنعم الله سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سؤال عن تكرار عبارة مصدقاً لما بين يديه في آية سورة المائدة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير التصديق المزدوج لعيسى عليه السلام والإنجيل في آية سورة المائدة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ما كفارة من تعهد بالحج حافياً؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- الفرق بين اطمئنان قلب إبراهيم واطمئنان الحواريين عليهم السلام سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي