هذا الموضوع من الجيد ذكره الآن، ربما سيتضمن رسالة منكم لتصحيح الوضع القائم، يعني في المعرض الأخير هذا الذي عرض فيه مجموعة من الشباب العماني قدراتهم على الإبداع والابتكار وقدموا مجموعة من المخترعات الجميلة والرائعة، لكنهم لم يجدوا من يأخذ بها، يعني على سبيل المثال مجموعة من الشباب اخترعوا جهازا يساعد المصاب بالصرع في أن يتعرف على الصرع قبل ساعة، بمعنى ينبهه أن الصرع سيأتي بعد ساعة، إلى غير ذلك من المخترعات، الشاب العماني الذي اخترع سيارة بمواصفات ممتازة لم يجد أيضا من يأخذ بيده، هل يعود هذا إلى عدم قدرة الكثير من الدول المسلمة في أن تنافس الأنظمة الرأسمالية التي تحتكر الصناعة لنفسها، أم أن لا توجد إرادة تسعى إلى احتضان مثل هذه الإبداعات والمخترعات، أم أن المسألة تتعلق بالجانب الاقتصادي والمالي؟ وفي النهاية إذا لم تكن الدول قادرة على أن تأخذ بأيدي هؤلاء فمن يأخذ بها؟ ما هو دور المؤسسات المدنية والمؤسسات الأخرى التي تساعدهم؟ نريد رسالة في نفس الوقت منكم في هذا الموضوع وإن كان هذا يعني أثير هذا الموضوع من خلال كلامكم والبرنامج لا يتعلق بهذا.
الإجابة
ولذلك أنا أريد أن يكون الجواب فيما يتعلق بالبرنامج، أستحضر حديثا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شدني كثيرا، أنه كان يخاطب بعض الأنصار يقول: ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ نعم، متفرقين فجمعكم الله بي؟ عالة فأغناكم الله بي؟ هذا حديث كاف للجواب عن المسألة الأولى وعن هذه المسألة. يعني مما هو متوقع أن يكون مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سببا للهداية، كنتم ضلالا فهداكم الله بي، هذا متوقع، هذه وظيفة الأنبياء والمرسلين. إذا الوظيفة الأولى وهي الغاية التي نحتاج إليها اليوم الهدى من الضلال، ولذلك قلت بأن معاني الحق والعدل والخير والصلاح واضحة جلية خاصة في مثل هذه الفتن والأحوال لا تخفى على أحد، فكيف يترك أحد، كيف يترك مسلم ينتسب إلى هذا الدين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كنتم ضلالا فهداكم الله بي فيعرض عن هذه المعاني كلها ليكون في صف أهل الباطل والشر والعدوان والظلم والبغي. ثم قال: وكنتم متفرقين فجمعكم الله بي، إذا جمع الكلمة والتآلف والتآخي بين المسلمين كانت من أظهر مهمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك كان يذكرهم بها. إذا فهداهم بعد ضلال، جمعهم بعد شتات، وهذا مما علينا أن نركز عليه اليوم. ثم ماذا قال: وكنتم عالة فأغناكم الله بي، إذا مع هذه، مع ما تحتاجه الهداية من علم ووحي وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ومع ما يحتاج إليه جمع الكلمة من غرس للقيم والأخلاق ومن معاني التواد والتعاطف وإعطاء معاني الأسوة والبذل والإحسان والمعروف والتعاون على الخير والرشد، كان هناك مسار ثالث يعمل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلما يبحث فيه الكتاب في السيرة أو يتحدث عنه المتحدثون، وهو حينما ذكرهم فقال وكنتم عالة فأغناكم الله بي، في بضع سنوات تمكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن يجعل المدينة المنورة مكتفية ذاتيا، سوقا كبيرة، اشتغل على سوق اليهود، ولم يكن سهلا لأن يعني سكان المدينة من غير اليهود كانوا عالة على اليهود وعلى أسواق اليهود في المدينة المنورة. بعض كتب السير تذكر أنه كان لليهود في سوق المدينة قبل مبعث، قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 300 محل للذهب، 300 دكان ذهب في سوق المدينة لليهود. يعني لنتصور البون الشاسع في القوة الاقتصادية بين المسلمين وبين غيرهم في ذلك الوقت، وفي بضع سنوات إذا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع الخطط الاقتصادية فيما يتعلق بإنشاء السوق، برفع الضرائب عن الناس، بتقرير حق ما يعرف اليوم بحق الانتفاع، في حثهم على التنافس، في حتى فيما يتعلق ببعض فضائل الأعمال قصد منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعمل المسلمون في يوم راحة اليهود يوم السبت بتتبع بعض أحاديث فضائل الأعمال، ثم إنه كان يرسل بدأ يعقد اتفاقيات، من أسلم من القبائل فإنه يعقد معهم اتفاقيات ومن لم يسلم فإنه كان يدخل معهم في مفاوضات لتأمين طرق التجارة إلى المدينة المنورة والتحكم في طرق التجارة إلى مكة وإلى أسواق اليهود، هذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبذل فيه جهدا، وهناك يعني الكثير من الاتفاقيات الموجودة في سيرته عليه الصلاة والسلام مع هذه القبائل في تجارة الحبوب، في تجارة الثياب، في التجارة من الشام، في التجارة من اليمن، فأمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بضع سنوات لأهل المدينة لمركز دولته الناشئة اقتصادا متينا قويا منافسا، لأن هناك طموحا وهناك نظرة بعيدة لما يحتاج إليه واقع المسلمين، لا يمكن أن يكونوا عالة على غيرهم، أن يأكلوا مما يزرع غيرهم، وأن يلبسوا مما ينسج غيرهم، وأن يحتاجوا إلى ما يصنعه لهم غيرهم، فأنشأ لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغرس فيهم هذه المعاني من أول الأمر، ولذلك فإن الجواب أصبح واضحا، حينما تكون أنظارنا اليوم وأنظار أهل القرار وصناع القرار والمخططين تحت أقدامهم فإننا سنقول نعم لا نستطيع المنافسة، ليست عندنا كفاءات، لازلنا في أول الطريق، أين سنجد السوق لهذه البضائع والمنتجات والسلع؟ ويعمل غيرنا، ولا نرى أن من واقعنا من كان أضعف منا في التصنيع وفي المنافسة وإذا به اليوم يقود العالم. أما إذا سلطنا أنظارنا إلى طموح عال وأردنا إعزاز أنفسنا وأن نغتني عن الاحتياج إلى الغير فإنه لا بد أن تكون لنا رؤى استراتيجية بعيدة وأن نتوكل على الله تبارك وتعالى ثم نعتمد على أنفسنا وعلى قدرات شبابنا وأن نتيح لهم الفرص وأن نهيئ لهم الوظائف التي تعينهم وأن نستغل هذه الطاقات وأن نبذل فيها حتى نصل. لا شك ستكون هناك مصاعب ومشاق، لكن طبيعة الحياة هكذا، وقد أخبرنا القرآن الكريم عن طبيعة هذه الحياة وعن حقائقها، فليس هناك ما يدعونا بعد ذلك إلى القلق وقد وطئت نفوسنا لملاقاة مثل هذه الصعاب والدخول فيها، فهذا هو الجواب عن هذه المسألة كما قلت لا أريد أن أتشعب وأجيب أسئلة لا علاقة لي باختصاصي وإنما أقتصر على الأدلة الشرعية.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.