السؤال
ننتقل إلى المحطة الثانية وهو العام الدراسي الجديد، نظرا لأن هذه الحلقة الأولى بعد انقطاع، الآن الأبناء طبعا والبنات توجهوا إلى المدارس سواء كان في مراحلهم الأولى أو مراحلهم الجامعية، كيف يمكن أن يستغلوا هذه الفرصة التعليمية لبناء أسس معرفية وقيم عليا يواجهون بها تحديات الحياة، وأيضا تساعدهم في أن يحققوا التفوق المطلوب منهم؟
الإجابة
نعم هذه أيضا قضية مهمة، والجواب عنها يبدأ بإجلال العلم وتوقيره، فإن الأدلة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءت ناصة على توقير العلم وأهله وإجلال العلم وبيان فضله وبيان منزلة العلماء، وهذا لا يخفى على أحد فأدلته في كتاب الله عز وجل كثيرة وكذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كيف ننقل ذلك إلى واقعنا؟ يجب على هذه الأمة أفرادا وأسرا ومؤسسات تعليمية وتربوية ومجتمعات بكل ما أوتيت من طاقات أن تعيد للعلم هيبته، وأن تغرس لدى النفوس الناشئة، لدى نفوس المتعلمين توقير العلم والرغبة فيه. التصحيح يبدأ من هذه الخطوة، إذا تمكنا من ذلك سهل علينا ما نبذله في سبيل تحصيله، لأن طالب العلم يومئذ سيعلم أن الجهد الذي يبذله من وقت وجهد وقراءة ومطالعة وحفظ وتدبر وتشاور وأداء للواجبات والبحوث والدراسات التي تسند إليه أو التي يبادر إليها أن كل ذلك يسهل في سبيل الوصول إلى الغاية المطلوبة، وسيبذل المزيد من الوقت والجهد والطاقة في سبيل التحصيل العلمي. أما إذا زهد طلبة العلم في العلم فإنهم لن يبذلوا شيئا من الجهد وسيرون أن الوقت الذي يصرفونه في سبيل التحصيل العلمي أنه وقت ضائع، أو أنه حينما يقرأ لساعة أو لساعتين فإنه يظن أن ذلك كاف في سبيل تحصيله العلمي، وأنه إذا أسند إليه واجب من بحث علمي أو من بحث في التخصص الذي يدرس فيه أو من واجب فإنه يكفيه أن يستعين بالذكاء الاصطناعي أو أن يأتي بمعلومة من هنا أو هناك دون توثيق ودون اتباع لمنهج علمي، وبهذا تزداد هذه الأمة تخلفا وتأخرا. فإذا انطلقنا من هاتين الخطوتين فلا بد أن تعزز بخطوة ثالثة، وهي أن قشور العلم اليوم لا تكفي، وادعاء العلم لا يصلح، لا بد من رسوخ قدم في العلم، لأن العالم اليوم لا مكان فيه للجهلة الذين يقفون عند ساحل بحر العلم ولا يدخلون لجته. فهذه الأمة فرطت للأسف الشديد في هذه القرون المتأخرة في التعمق في العلوم بأنواعها، وإذا بهم يتغنون، إذا بأفرادها يتغنون بأمجادهم السابقة حينما كان أسلافهم يبذلون مهجهم في سبيل التعمق في البحث العلمي والبذل والعطاء فيه والتنافس في سبيل الاكتشاف والابتداء والإبداع والابتكار. اكتفوا اليوم بالتغني بذلك الميراث وتركوا التحصيل للعلوم النافعة المفيدة وتركوا الأسباب أي في مجملهم لا يعترض على هذا ببعض القلة. التعليم لم يكن في يوم من الأيام مسؤولية فردية، لم يكن التعليم منظومة، ولهذا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني حتى في أبسط حديث حينما يقول: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، لم يقتصر على أن يتعلم وإنما يرشد إلى التعليم. القرآن الكريم يقول: (وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ). رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل المسجد فيجد أصحابه حلقا في فنون وأنواع من العلوم، وينتدب أصحابه لتعلم لغات أخرى، ويسأل في مختلف العلوم التي يحتاجون إليها، يبحث عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بعلم الطب، فيما يتعلق بالخطط العسكرية والاستراتيجيات العسكرية، فيما يتعلق بالتنظيم داخل المجتمع والترتيبات التي، بل حتى فيما يتعلق بالهندسة المعمارية، هندسة وتخطيط المدن، لكن هذه الجوانب للأسف الشديد غيبت في دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هناك أبحاث متواضعة اليوم بدأت تكشف عن بعض هذه الوجوه، وهذا يؤكد احتياجنا إلى رسوخ القدم في العلوم والمعارف، لكن التعلم والتعليم مسؤولية مشتركة، تتفاوت هذه المسؤوليات لكنها تبدأ من الأسرة داخل البيت، بعد تصحيح الفهم والوعي الذي تحدثت عنه أول الأمر، ثم في المؤسسات التربوية، ثم في المساجد والمعاهد وحلق العلم، ثم في الوعي المجتمعي الجمعي. فإذا تضافرت الجهود أمكن وضع استراتيجيات، هذه الاستراتيجيات تأخذ في الحسبان التغير الهائل في العلوم والمعارف، لأن التطور اليوم في العلوم لم يكن كما هو في السابق، اليوم التطور متسارع متلاحق، فلا يمكن أن يتأخر المسلمون وأن ينكفئوا على علوم ومعارف ما عادت الحاجة إليها قائمة أو أن الاكتشافات فيها لا تقف عند حد، اللهم إلا أن يكون ذلك من حيث التشكيل التعليمي للأصول والمبادئ والأسس والقواعد التي تمكن من فهم هذه التغيرات الحاصلة في العلوم. هذا وأنا لا أقصد بهذا ما يتعلق بالعلوم التطبيقية، بل حتى في العلوم والآداب، في العلوم الإنسانية وفي الآداب، حتى فيما يتعلق أيضا بالتعليم في المراحل الدنيا لا في المراحل العليا. ما لم توجد هناك مسؤولية مشتركة تراعي هذه المعطيات جميعا فإن عجلة التعليم سوف تسير ببطء شديد، ونحن نرى واقع يعني هذه الأمة ومجتمعات المسلمين أنهم وقفوا عند في العام الأغلب. وذكرنا قبل سنوات ما يتعلق بالإنفاق على البحث العلمي على سبيل المثال، بينما تجد أن وجوها من الإنفاق لا يجدون غضاضة فيها حتى فيما يتعلق بوسائل التسلية والترفيه أو فيما يتعلق بالتزين، أما فيما يتعلق بالبحث العلمي، فيما يتعلق بالتعلم والتعليم، فلم تنزل بعد منزلتها اللائقة. إذا كل هذه لا بد أن تجتمع وتتضافر إذا أردنا أن ننشئ جيلا متعلما قادرا على أن يواجه تحديات هذه الحياة، وأن يكون مبتكرا مبدعا، وأن يعين على بناء وطنه بناء صحيحا، بناء قائما على علم ومعرفة، وأن ينافس غيره، وأن يتمكن من الموارد المتاحة له في أرضه ليسخرها فيما يعود على وطنه بالخير والنفع والتنمية والاستدامة وغير ذلك مما تحتاج إليه الأمم لنهضتها.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- توجيه للشباب في استثمار إجازة الصيف سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- مقترحات لتعزيز اهتمام المجتمع والمؤسسات بالصلاة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- العناية في المناهج بالعلوم التجريبية أكثر من الشريعة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- كيفية التعامل مع الطلاب المسيئين في حلقات التحفيظ سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- المشاركة في سهم الوقف العلمي مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي