السؤال
فضيلة الشيخ نسأل هذا السؤال من قبل أحد الإخوة يقول فيه ما الفرق بين اسم الله سبحانه وتعالى بين اسم الله واسم البارئ، أظن أو أني ربما يعني غاب عني السؤال، نعم ما الفرق بين اسم الله الخالق والباري؟ يسأل بين اسم الله الخالق والباري.
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم، أما بعد فالجواب هو أن أهل العلم قد اختلفوا اختلافا واسعا في بيان الفوارق بين اسم الجلالة الخالق واسمه سبحانه وتعالى البارئ وذلك لأن الاسمين الكريمين وردا في آية واحدة في سورة الحشر (الخالق البارئ المصور)، ومن أجل ذلك ذهب جل العلماء إلى أن هذه الأسماء بينها تفاوت فيما تدل عليه من أوصاف الجلال والجمال التي يوصف بها ربنا تبارك وتعالى وأطالوا النفس في ذلك، وخلاصة ما تطمئن إليه النفس هو أن الخالق هو الموجد فربنا تبارك وتعالى وصف نفسه بأنه خالق لأنه أوجد السماوات والأرض وأوجد كل ما في هذا الكون بعد أن لم يكن، فالخالق هو الموجد المكون من عدم والخالق المكون المكون مما يمكن أن يكون على مثال سابق فهو خالق سبحانه وتعالى ولم يزل خلاقا. وأما البارئ فإن أقرب معاني البارئ لأنها من فعل برأ وبرأ كما يقال وبرى تأتي بمعنى التصويب والتدقيق، يقال برى القوس وبرى القلم بمعنى أنه أحكم صنعته فسلمه من العيوب، والسلامة من العيوب معنى ملحوظ في جذر هذه الكلمة ولذلك يقال برئ المريض إذا زالت علته وسلم منها وسلم من العلل أو مما يمكن أن يكون قد اعتراه، هذا المعنى ملحوظ في اسم البارئ فإذا وصف به رب العزة والجلال فإن المقصود هو تمييز ما أوجده سبحانه وتعالى وكونه من غير نقص ولا خلل فربنا تبارك وتعالى يقول (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور)، ما ترى من تفاوت أي من اضطراب فيما كونه وخلقه سبحانه وتعالى، هنا في هذه الآية الكريمة من سورة الملك فإن الله تبارك وتعالى يقول ما ترى في خلق السماوات والأرض فأي فيما كونه رب العزة والجلال من أمر السماوات والأرض لا ترى فيها شيئا من القصور أو التناقض أو الخلل، هذا هو معنى أن يوصف جل وعلا بأنه البارئ فهو بمعنى أنه أوجد ما خلقه على أحسن مثال وأدقه وأوجده سالما خاليا من الاضطراب والتناقض والقصور والنقص. هذا المعنى تشهد له الآية المتقدمة ويشهد له أيضا قول الله تبارك وتعالى (الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا)، (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، وذهب إلى هذا المعنى من حذاق المفسرين العلامة الزمخشري في الكشاف وهو من جملة أقوال ذكرها أيضا الإمام الرازي وذكرها الإمام الغزالي في شرحه لأسماء الله الحسنى وإن كان الغزالي والرازي لم يرجحا هذا المعنى، لكن الزمخشري رجح هذا المعنى وكذلك فعل الشيخ قطب الأئمة الشيخ اطفيش أيضا في كتابه للأسماء الحسنى ذهب إلى هذا المعنى وهو معنى ينفي الإشكال لأن ما ذكره المفسرون وكثير منهم أطال النفس لا طائل من ورائه فدفعهم دفعتهم رغبتهم في التمييز بين الخالق والبارئ إلى حصر معنى الخالق في التقدير ويقصدون بذلك أن يقدر المولى تبارك وتعالى ما يريد خلقه ما يريد إيجاده على الكيفية التي يريدها وبما يريد أن يوجده منه ولا يلزم منه الإيجاد، هذا معنى كلامهم وهذا لا يستقيم، هذا لا يستقيم في حق ما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه، وإذا نظرنا في هذه الآيات الكريمة فإن الله تعالى وصف نفسه بالخلق ووصف ما خلقه ووصف خلقه بالإتقان، وصف هذا الوصف وصف نفسه بالإتقان فيما كونه وأنشأه وابتدأه سبحانه وتعالى، وعلى هذا فإن إيجاد الشيء خاليا من النقص والعيوب لا اضطراب فيه ولا خلل هو معنى البارئ وأن يوجده على الصورة التي يريدها تبارك وتعالى هو معنى المصور لأن الآية الكريمة جمعت بين ثلاثة أسماء (الخالق والبارئ والمصور)، المصور وردت في مواضع أخرى (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء)، فالصورة تتجه إلى ما يصوره جل وعلا ما يجعل عليه هيئة الذي كونه وخلقه وأوجده من صورة فيه معنى الميل أي الميل إلى الصورة التي أرادها المولى الخالق الكريم سبحانه وتعالى وفيها معنى الجعل والتكوين على هيئة ظاهرة معينة مخصوصة، فاجتماع هذه الأسماء من الأسماء الحسنى في هذه الآية الكريمة يؤخذ منه أن معانيها متفاوتة وأن بعضها أخص من بعض فالمصور أخص من البارئ والبارئ أخص من الخالق وأوسعها جميعا الخالق سبحانه وتعالى لأنه الموجد المكون. وأما البارئ فإنه وصف ولذلك ورد أيضا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الاستعاذات ورد قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ)، وكان مما يؤثر من يمين الإمام علي كرم الله وجهه أنه يقول (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة)، ولذلك فإن بعض أهل العلم يرون بأن برأ تتجه إلى المعاني الخفية اللطيفة في خلق هذا الإنسان في خلق ما كونه الله تبارك وتعالى في السماوات والأرض وأنها لا تصدق إلا على وهذا مما ذكره بعضهم لا تصدق إلا على الحيوان من الإنسان وما يدب في الأرض أي لا تصدق على الجمادات، ولذلك قال برأ النسمة ففيها حياة لأنها تحتاج إلى لطف وإلى دقة وإلى إتقان على خلاف غيرها من الجمادات مما خلق الله تبارك وتعالى، هذه المعاني كلها تدور حول المعنى المتقدم فمعنى البري والبراءة وبرأ كلها تدور حول السلامة من الخلل والعيوب، ولذلك يقال برئ فلان من دعوى فلان أي أنه سلم مما ادعي عليه، وفلان ساحته بريئة أي هو سالم من الخلل الذي وجه إليه أو من التثريب والنقص الذي وجه إليه، كل هذه المعاني اللغوية تؤخذ لفهم ما ورد في كتاب الله عز وجل لنعرف معنى هذا الاسم الجليل من الأسماء الحسنى وهو ما تقدم وإن تفاوتت عبارات أهل العلم في البيان إلا أنها لا تخرج عن هذه المعاني والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- وصف الله تعالى بالذكاء الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم أسلوب التعجب بصفات الله الذاتية كما أسمع بهم وأبصر سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الفرق بين عقيدة التنزيه والتجسيم فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- الفرق بين العفو والصفح والمغفرة ووصف الله بالصفوح سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- المسلمون وموقفهم من الفيض والعقول العشرة في الثقافة اليونانية سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي