أنا طالب في الجامعة، أذاكر دروسي باجتهاد، وأحياناً أجمع شيئاً من أموالي شهرياً لآخذ دروساً إضافية مدفوعة، لكن عندما تظهر نتيجة الاختبار أصاب بالإحباط واليأس وأقول في نفسي لماذا أنا أجتهد وأدفع لأحصل على درجات عالية ولكني لا أنال مرادي، وتدخل في بالي الكثير من الوساوس مع أني ملتزم بديني وصلواتي وأخلاقي، فكيف يتعامل الطالب في مثل هذه المواقف؟
الإجابة
عليك أولاً أن تعلم أن التفوق في الدراسة وأن الحصول على الدرجات نعمة من النعم العظيمة التي قد يعطيها ربنا سبحانه وتعالى ويهبها من يشاء وقد يحرمها من يشاء، وفي الحياة نعم كثيرة جداً، الصحة نعمة، والفراغ نعمة، والتفوق نعمة من النعم، والله سبحانه وتعالى قد يرزق الإنسان التفوق في الدراسة كما أن الله تعالى قد يرزقه شأناً آخر، فثمة أناس هم أهل مال، وثمة أناس هم أهل تفوق، وثمة أناس هم أهل صحة، وثمة أناس هم أهل مناصب، وثمة أناس هم أهل تأثير في هذه الحياة، وهكذا النعم ربنا سبحانه قسمها: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ}، والإنسان الواجب عليه أن يبذل العناية وأن يبرئ ذمته أمام الله تعالى، أما تحقيق الغاية فهذا أمر راجع إلى الله سبحانه وتعالى فهو الذي يقسم النعم، أنت هذا هو الواجب عليك في هذه القضية. الأمر الثاني لا تيأس، ذاكر، مع ذلك ابق على المذاكرة وابق على الاجتهاد، والإنسان ربما يبتلى أول الأمر بأن لا تفتح له الأبواب، وأن يبقى يطرق الأبواب ويطرقها ولا تفتح له، ثم إن الله تعالى يمن عليه بعد ذلك بفتح الأبواب، فلا تيأس، أنت إن جاءك اليأس في المرة الأولى أو الثانية فإنك ستحبط وستجد الحياة كلها على هذه الشاكلة وعلى هذا الحال، ولأجل هذا ما دمت ترى الفعل صواباً مقرباً إلى الله تعالى فاعلم أولاً من حيث العلاقة مع الله تعالى أنت الواجب عليك أن تبذل العناية، أن تجتهد، هذا هو الواجب عليك، أما تحقيق الغاية من أي رزق في هذه الحياة فهذا أمره راجع إلى الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني مع علمك بهذا عليك أن تدرك أن الأمور لا تؤتى من أول وهلة، وأن الإنسان لابد من أن يجتهد مرة واثنتين وثلاثاً، كم رأينا من أهل العلم من يعيد الدرس الواحد مئة مرة ومئتي مرة ومع ذلك قد يخطئ، ولكنه مع ذلك صبروا ومضوا على هذا الصبر وهم يعملون بجد واجتهاد لعل الله تعالى يفتح لهم، فهذا هو الواجب الثاني. أما الواجب الثالث فأن تدعو الله تعالى أن يرزقك وأن يفتح لك فتوح العارفين وأن يعلمك ما لم تعلم وأن يفهمك ما لم تفهم، ادع الله تعالى، لعل الحرمان في بعض الأحيان سببه أن الله تعالى يريد من هذا العبد أن يتعلق به سبحانه وتعالى في الدعاء والتضرع والتمسكن والتذلل بين يديه سبحانه وتلك منزلة عظيمة لا ينالها كل أحد. الأمر الرابع بعد أن تجتهد وترضى بقسم الله سبحانه وتعالى وتدعو عليك أيضاً أن تسلم الأمر لله، فلا يأس في هذه الحياة ولا قنوط، فالله سبحانه وتعالى هو مصرف الأمور وهو مقدرها، ولذلك ارض وفوض وسلم بأمر الله سبحانه وتعالى وتوكل عليه، بذلك ستكون بإذن الله تعالى ممسكاً بتلابيب العبودية لله تعالى من كل جوانبها. إذاً ارض بقضاء الله تعالى، ولتعلم أنه ما من شيء في هذه الحياة إلا بيد الله سبحانه وتعالى تصريفه، وأنت حينما تعترض على هذا تعترض على قضاء الله وستكون بائساً حزيناً في هذه الحياة، لكنك إن علمت أن خالقك وإلهك وربك سبحانه هو الذي قدر هذا القدر فإنك سترضى به لأنك سترضى بكل ما يقدره من خلقك ويصرف أمورك، وفوق ذلك كله أنت لا تعلم أين يكون الخير، أنت لا تعلم مكمن الخير ولا مبعثه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} كما يقول ربنا سبحانه وتعالى، ولأجل هذا ابق على اجتهادك ما دام الفعل طاعة وخيراً، وإن كان ما تريد فهو فضل من الله تعالى، إن لم يكن فادع وتضرع ثم بعد ذلك ارض بقضاء الله وفوض الأمر إليه وسلم بقضائه وقدره واتكل عليه، وبإذن الله تعالى سيفتح الله تعالى لك باباً، إن لم يكن في هذا الأمر الذي تريده وتحاوله فسيكون في أمر آخر بإذن الله والله تعالى أعلم.
المفتي
مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ لأسئلة مجلس السبت من اليوتيوب.
مجلس السبت هو مجلس علمي أسبوعي يُعقد كل يوم سبت، يجيب فيه الشيخ د. ماجد بن محمد بن سالم الكندي عن الأسئلة الواردة من الناس عبر مختلف الوسائل، في مختلف أبواب الدين والحياة.
تتميّز هذه السلسلة بطرحها المباشر والواقعي، حيث تتناول قضايا يومية يحتاجها المسلم في عباداته ومعاملاته، وتقدّم الإجابات بأسلوب علمي واضح يجمع بين التأصيل الشرعي والتيسير في الفهم والتطبيق.