السؤال
تثار أحياناً شبهات حول أحكام الإسلام مفادها أنه لا يعطي المرأة حقها الكامل كحق الرجل، ومن ذلك ما يتعلق بدية المرأة فيما دون النفس التي أجمع العلماء على أنها نصف دية الرجل استناداً إلى نصوص شرعية. فهل يمكن بيان الحكمة من هذا الحكم، بحيث يكون من يثيرون هذه الشبهة على اطلاع عليها؟
الإجابة
ينبغي لنا أن ننظر اليوم فيمن يثير هذه الشبهات أولاً، إلى ما يستند؟ هل يستند إلى أسس علمية؟ هل يستند إلى دين؟ هل يستند إلى قيم أخلاقية؟ هل يستند إلى نظام أو قانون هو أفضل وأحسن؟ إذ إننا ننساق وراء الرد على هذه الشبهات ببيان الحالات والأحوال والأسباب والحكم والمقاصد دون أن ننتبه إلى أن الذي يثير هذه الشبهات إنما يثيرها عداوة أو حسداً لهذا الدين وأهله، لا يبتغي الحقيقة ولا يريد التعرف على الصواب ولا يقبل الحجج إذا أظهرت له، فهذا مما ينبغي أن يتنبه له، وهو خال من الأسس العلمية المنصفة ومن القيم والأخلاق التي يرتكز إليها ومن النظم التشريعية التي تراعي أحوال هذا الإنسان في جسده وروحه وعاطفته وفي حقوقه وواجباته وفي كونه فرداً وفي كونه فرداً في مجتمع وفي أمة وله عليهم حقوق ولهم عليه حقوق، هذا كله غائب عنهم، ثم يتنقصون بعد ذلك من هذا الدين الشامخ بمثل هذه الشبهات، إذن لا بد أن ننتبه أولاً إلى هذا التأصيل، وهذا لا يمنع من أن نبين بعض الحقائق وأن نجلي ما يدفع هذه الأباطيل والشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام وإن تستروا بلبوس الإسلام أو اقتنعوا بمثل هذه الدعاوى والأباطيل. فمن ذلك أنه لا يمكن أن يقول عاقل بأنه سيحكم على نظام تشريعي باستلال مادة واحدة فيه دون أن ينظر إلى ما في هذا النظام التشريعي من مواد وقواعد ومبادئ فلا يمكن وإلا عد سفيهاً أو مجنوناً إن حكم على قانون قانون وضعي فاستل مادة منه وقال هذه المادة خطأ لأنها تقول كذا وكذا في حين أن مواد ونصوص ذلك التشريع تبين المقصود وتبين التعريفات والحدود والضوابط والشروط وتكمل الأحكام لتلك المادة فلا يمكن أن يحكم على ذلك النظام التشريعي بأن ينتقي ويجتزئ مادة واحدة منه، هذا غير مقبول وهذا هو الذي يحصل. ذلك أن في فلسفة التشريع الإسلامي الدية ليست قيمة للإنسان، ولا تقوم على أساس مادي، فإن هذا الإنسان في نظر الخالق الحكيم سبحانه وتعالى مكرم واستخلف في هذه الأرض وسخر له ما في السماوات والأرض، فلا يمكن أن يقيم بأموال وأثمان إن فاتت نفسه، وإنما هو تعويض لجبر أحوال أوليائه من بعده ولنهنهة النفوس المريضة التي يمكن أن تستسهل العدوان على النفس البشرية ولإرساء نظام عام، وإلا فهي أبعد ما تكون عن تثمين لهذا الإنسان، لإن كانوا هم ينطلقون من أن هذه قيمة للإنسان، فهذا مفرق عظيم بيننا وبينهم، هذه ليست قيمة للإنسان، ليست ثمناً لهذا الإنسان، لا للرجل ولا للمرأة، فهذا الإنسان هو أعظم مخلوقات الله تبارك وتعالى وأعلاها كرامة وهو الذي حمل الأمانة وهو لا يمكن بحال من الأحوال. فلئن كانت نظرتهم إلى أن يعني ناشئة عما تقدم فنعم يسوغ لهم أن يقولوا بأن ثمن فوات نفس المرأة لماذا يكون أرخص من ثمن فوات نفس الرجل وهما نفس واحدة، نعم لهم أن يقولوا ذلك لأنهم ينطلقون من هذا المبدأ، أما في هذا الدين الحنيف فكما تقدم هذه الديات سواء كانت للأنفس أو للجوارح والأعضاء هي ليست أثماناً أو قيماً لهذه الأنفس أو للأعضاء والجوارح، وعلى هذا فإن التفاوت فيها لا دلالة له، ليست له معان مادية حتى يحتج علينا بذلك، هذا أولاً. ثانياً معلوم أن في أحكام هذه الشريعة فإن هناك أعباء مالية يلزم بها الرجل ولا تلزم بها المرأة، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق، هو المسؤول عن العاقلة أي في حالة حصول قتل خطأ فإن الرجل هو الذي يعقل والمرأة لا تعقل، هم الذين عصبة الرجل هم الذين يدفعون والمرأة لا تدفع، الرجل هو المسؤول عن الإنفاق عن أهل بيته فيمكن أن يكون له زوج ينفق عليه وولد ينفق عليه ويمكن أن يكون أيضاً عنده والدان كبيران يلزم شرعاً أن ينفق عليهما، وأما المرأة فإن ما تحصل عليه فإنه يكون حقاً خالصاً لها، على أن وهذا أيضاً من العجائب في هذه القضية، هذا التعويض لا يذهب إلى من فاتت نفسه، إن كان في فوات النفس سيذهب إلى الورثة، والمرأة وفي الورثة نساء، نعم سواء كان القتيل الذي تدفع ديته رجلاً أو امرأة، فإن هذا التعويض يذهب إلى الورثة، نعم في حالة ما دون النفس فإنه يذهب إلى المضرور إلى من وقع عليه الضرر من أصيب، ولكنه كما تقدم ليس تثميناً لهذه الأعضاء والجوارح وإنما هو منطلق من هذه الأسس التشريعية المتكاملة، أن الرجل مسؤول عن الإنفاق وأن عليه أعباء مالية لم تلزم بها المرأة، وفي حين أن المرأة تتصرف في مالها كيف شاءت فملكها لأموالها لا يشرك معها أحد، أما الرجل فإن ما يملكه من مال إنما يذهب لعياله وأهل بيته وللنفقات الواجبة عليه، فهذه خلاصة مجملة في بيان كيفية الرد على هذه الشبهات والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- سبب كون دية المرأة نصف دية الرجل مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- مقدار دية المرأة فيما دون النفس من الجروح والأروش سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- توضيح مقدار مهر العقر بالعملة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- حكمة الأحكام الشرعية الخاصة بحماية المرأة وصيانتها سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي