سر اختيار القرآن لفظ أهل الذكر بدل أهل العلم

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-04

السؤال

لماذا اختار القرآن لفظ "أهل الذكر" في قوله تعالى "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" ولم يقل "أهل العلم"، مع أن المتبادر للذهن أن من لا يعلم يسأل من يعلم؟

الإجابة

الجواب هو أن مدلول لفظ هذه الجملة القرآنية التي وردت في موضعين من كتاب الله عز وجل، أي جملة "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، لا يقوم مقامها أن يستبدل بكلمة الذكر العلم، وذلك لوجوه؛ لأن الذكر المقصود هنا إنما هو وحي الله تبارك وتعالى، فلا يراد أي علم كان، وإنما يراد من ذلك العلماء بوحي الله عز وجل الذي أنزله على أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام. ولذلك تجد تعبيرات المفسرين يعبرون أحياناً بأهل الوحي، أي العلماء بالوحي، وأحياناً أهل الكتب السماوية، وأحياناً يقولون الشرائع، أي العلماء بالشرائع التي أنزلها الله تبارك وتعالى، وهي معانٍ تجتمع لتلتقي فيما تدل عليه هذه الألفاظ من معاني الوحي الذي أكرم الله عز وجل به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، من كتبٍ أنزلها وشرائع ارتضاها لهم ومن هديٍ قويم أمرهم بتبليغه للناس الذين أُرسلوا فيهم. هذا هو الوجه الأول. وأما الوجه الثاني فإن المقصود هو نفي أن يكون من يقصد هؤلاء من أهل الذكر إنما يقصدهم لآرائهم الشخصية، فالمقصود هو أن يُسألوا عما يتعلق بالذكر بالمعاني المتقدمة، فليس المقصود أن يكونوا أهل علم في وجوهٍ غير الوجوه التي يدل عليها السياق القرآني، ولا أن يُبتغى منهم آراؤهم الشخصية وآراؤهم التي يعبرون بها عن رؤاهم وعن أفكارهم وعما عندهم من نتائج توصلوا إليها، وإنما أن يُسألوا عن معاني الوحي وشرع الله تبارك وتعالى وكتبه التي أنزلها. وهنا كما يفهم الجميع العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما قُعِّد من هذه الآية الكريمة أو من هاتين الآيتين الكريمتين من قاعدة اللجوء إلى أهل العلم المختصين إنما هو بالمعنى لا باللفظ، وبالقياس لا بحقيقة ما أنزلت ودلت عليه هاتان الآيتان الكريمتان، فهذا مما ينبغي أن يتنبه إليه. والمعنى الآخر هو نفي الأساطير والأوهام والخرافات، فهذه ليست من الذكر، وإن كانت عند بعض الناس في هذه الأرض هي علم، ولذلك يقولون علم الأساطير وعلم الخرافات وعلم الشعوذة وعلم السحر، فهذا يُنفى ببيان أن المقصود أن يعمدوا إلى أهل الذكر الراسخين في العلم. كذلك هنا هناك معنى لطيف وهو أن كلمة الذكر تدل في القرآن الكريم على ما لا يقل عن ستة عشر وجهاً، وكلها مقصودة صالحة في هذين السياقين. هذه الوجوه عدها أول من عدها مقاتل بن سليمان في الوجوه والنظائر، ومقاتل توفي في 150 هجرية، ثم نقلها كذلك هارون بن موسى أيضاً في الوجوه والنظائر وهو متوفى في 170 هجرية، ثم نقلها كذلك صاحب التصاريف يحيى بن سلام ويُذكر أنه توفي 207 هجرية. يعني نحن نتحدث عن الطبقة العليا المتقدمة من أوائل المفسرين لكتاب الله عز وجل الذين دونوا تفسيراً لكتاب الله عز وجل لا سيما فيما يتعلق بالوجوه والنظائر وبيان المشكل. هؤلاء ذكروا أن من معاني الذكر الوحي، ومنه قول الله تبارك وتعالى "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، وقيل الكتب بمعنى الوحي ومنه القرآن، وهذه الآية تشهد لذلك، وقيل بأنه يحمل معنى التذكير "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ"، ومعنى العظة "وَذَكِّرْهُم بِهِ" أي عظهم به، وأن الذكر يحمل معنى ما يُتلى ويُكرر فالذكر يُتلى ويُكرر، وهذا أيضاً من المعاني المقصودة في الآية الكريمة، ومنه العمل، العمل يأتي بمعنى الذكر، ومنه الصلاة، فالصلاة ورد في كتاب الله عز وجل، قال في سورة الجمعة في صلاة مخصوصة "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ"، فسمى الخطبة والصلاة سماها ذكراً لله تبارك وتعالى، ويأتي أيضاً بمعنى.. إذاً هذه الآن تقريباً عشرة معانٍ، قلنا الوحي والكتب والعظة والتذكير وما يُتلى ويُكرر والعمل والصلوات ومنه صلاة الصلوات المخصوصة أو الصلاة مطلقاً. هذه بعض أو أغلب المعاني التي يدور حولها معنى الذكر في الاستعمال القرآني. هل تفي كلمة العلم مع اتساع معاني العلم أيضاً في الاستعمال القرآني وفي اللغة بهذه المعاني؟ لا تفي، لو استبدل بكلمة الذكر العلم وإن كان المفسرون يعبرون أن المقصود هم أهل العلم لكنهم يقصدون هذا العلم. فكل هذه المعاني حاضرة، أن يكون من الأئمة العدول الذين يذكرون ويذكرون، الذين يتلون ويكررون ويجددون، الذين يتصلون بوحي الله تبارك وتعالى ويعبرون عن أحكام الله عز وجل وشريعته مما أوحاه في كتبه وأودعها والمهيمن عليها كتاب الله عز وجل الخاتم القرآن الكريم، والذين يعملون بما آتاهم الله عز وجل وفتح عليهم من هذا الذكر، ونعم ومن المعاني الحفظ فمن معاني الذكر الحفظ فهم يعني استُحفظوا أيضاً هذا الذكر، فهذه كلها لا يقوم مقامها العلم. هل توجد هذه الوجوه في مصدر واحد؟ لا توجد، توجد مفرقة في كتب التفسير، توجد مبثوثة يعبرون عنها وإن كان الأكثر كما تبادر إلى ذهن السائل أنهم يعبرون بالعلم في سياق التفهيم والتأويل فقط، لا في سياق أن هذه الكلمة يمكن أن يقوم مقامها أي كلمة الذكر كلمة أخرى تفي بمعانيها وتحقق دلالاتها ومضامينها. ولذلك أيضاً لا يتناسب السياق، هو قال "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، لو كانت الآية "أهل العلم إن كنتم لا تعلمون" فسيورث ذلك تكراراً وسآمة وبعداً عن البلاغة يُنزه عنها كلام الله عز وجل، لكن هذا الجانب اللفظي ليس هو الباعث وإنما الوجوه المتقدمة في المعاني والدلالات التي تقدم ذكرها، فهذا هو المقصود والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

سر اختيار القرآن لفظ أهل الذكر بدل أهل العلم
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي