السؤال
عن تفسير قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)؟
الإجابة
نعم، مع ما أطال فيه المفسرون في معنى هذه الآية الكريمة إلا أن معناها قريب المأخذ سهل واضح دون حاجة إلى تكلف وإيغال فيما ذهب إليه كما قلت بعض المفسرين. ما هو المحو؟ المحو الأصل فيه أنه الإزالة، فيمحو لغة بمعنى الإزالة ويصدق في الاستعمال على معنى التغيير والتبديل، ويثبت وهناك قراءة (ويثبّت) بمعنى أنه يكون قارا ثابتاً أي ملازماً للقرار، (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، إما أن يكون ذلك أن تكون هذه السنة واضحة جلية في كثير مما نراه من الآيات الكونية ومن الآيات التشريعية، أما من الآيات التشريعية فنحن نجد أن أحكاماً أثبتها الله تبارك وتعالى كما هي وأحكاماً نسخها كعدة المتوفى كما كان يسأل عنه بعض السائلين قبل أيام، لزوم تقديم صدقة قبل مناجاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذاً هناك أحكام محيت أي غُيّرت وبدلت بقطع النظر عن تسمية الأصوليين لهذا النوع، وإنما الحاصل أن حكمها تغير فمحي حكمها السابق وأثبت حكم جديد لها، هذا نوع، وهذا كان كما هو في كتاب الله عز وجل في القرآن العظيم كان في التوراة والإنجيل، إذاً هذه آيات محاة تشريعية أثبتها الله تبارك وتعالى أو محاها بهذا المعنى كانت مؤقتة فقط. الآجال، يمحو الله تبارك وتعالى آجال أعمار بني آدم ويثبت آجالاً جديدة لغيرهم، يمحو آجال أمم وشعوب وحضارات ويثبت قيام أمم وشعوب وحضارات أخرى. الآيات الكونية، يمحو الله تبارك وتعالى كما قال: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) بمعنى أن آية الليل خفية وآية النهار ظاهرة بهذا المعنى، وللآية الكريمة أيضاً معانٍ أخرى. ما يتصل بالأعمار، أعمار بني البشر تذهب أجيال وتأتي أجيال، ما يتعلق بالإحياء والإماتة، بالإغناء والإفقار، بالصحة والأسقام، كل هذه محو وإثبات، محو وإثبات أو محو وتثبيت كلها داخلة في بيان حكمة الله عز وجل وعلمه وقدرته كما يقول الطاهر بن عاشور، وهي دعوة للمخاطب ليأخذ هذه المعاني الدالة على حكمته سبحانه وتعالى وعلى علمه المطلق وعلى قدرته في خلقه الذي يصرفه جل وعلا كما يشاء. وكذلك قال الشيخ اطفيش رحمه الله أيضاً ذكر هذه الوجوه وقال هي تشمل كل ما يمكن أن يكون من مظاهر هذه الحياة الدال على قدرة الله عز وجل وعلى حكمته وعلمه، وهم كلهم يعني ينفون البداءة في حق الله تبارك وتعالى أو أن يظهر له شيء لم يكن ظاهراً، فمعنى الآية الكريمة يدور حول هذه المعاني بمثل هذه الوجوه التي ذكرها هؤلاء المحققون من أهل التفسير المتعلقة كما قلت بآياته في كتبه التي أنزلها، بل بعضهم قال بأن دعوات الأنبياء والرسل للرسالات السماوية تنتهي رسالة وتأتي رسالة، هذه الرسالة الجديدة تجدد وتحيي إما أن تحيي رسوم الرسالة السابقة وإما أن تجدد فيها وأن تغير في بعض تشريعاتها وأحكامها القابلة للتغيير والتشريع، فكل ذلك إنما هو من المحو والإثبات. وهذه المعاني كلها معانٍ قريبة كما قلت واضحة تؤخذ من هذه الآية الكريمة والسياق يشهد لها بذلك أيضاً، والله تعالى أعلم. أم الكتاب، أكثر المفسرين أنه اللوح المحفوظ، الله تبارك وتعالى استأثر باللوح المحفوظ وبما كتبه فيه، ولذلك فإن مما ذكره الشيخ القطب الشيخ اطفيش رضي الله تعالى عنه أنه أيضاً من المحو أنه جل وعلا يأمر ملائكته بمحو ما لا ثواب عليه ولا عقاب، ويأمرهم بمحو ما بدله من سيئات إلى حسنات بالتوبة، فلما بين الله تبارك وتعالى أن توبة العبد (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)، هذا من المحو والإثبات، فيأمر الله تبارك وتعالى ملائكته بمحو تلك السيئات بعد توبة هذا العبد وإيمانه وعمله الصالح وإثبات الحسنات والثواب له، وهو جل وعلا استأثر بأم الكتاب، الأم أي الأصل، وأم الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والله تعالى أعلم. من الأمثلة أيضاً التي ذُكرت ما يتعلق بالأعمار، أن الله تبارك وتعالى علم كما قلنا ما دل عليه الدليل من أن بر الوالدين وصلة الرحم مَنْسَأة للأعمار أي أنها تطيل في الأعمار، هذا بعلم الله تبارك وتعالى فيثبت، وهكذا يقاس على ذلك سائر الأعمار التي بين الله تبارك وتعالى أن لها أثراً فيما يتصل بالأعمار فيما يتصل بالرزق فيما يتصل بالبركة والخير والنماء إلى آخره. هو من القضاء والقدر ولذلك هذا الاحتياط في هذه الآية الكريمة (وعنده أم الكتاب) حتى لا يتوهم متوهم أن ذلك مما بدا لله تبارك وتعالى وقد كان جاهلاً به سبحانه وتعالى وتنزه عن مثل هذا علواً كبيراً، أو أن يقال بأن مصلحة ما كانت خفية فظهرت، أو أن حكمة كانت خفية فظهرت، هذا كله منزه عنه تبارك وتعالى، فهذا من قضائه وقدره تبارك وتعالى لأنه استأثر بالعلم المطلق والحكمة بأكمل الحكمة وبمطلق القدرة وبغاية العلم سبحانه وتعالى، فما كتبه لعباده إنما هو باختيارهم وكسبهم، وأما ما لا يحاسبون عليه فهو مما يمحوه تبارك وتعالى، وهذا أيضاً مما نص عليه أهل العلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- القضاء المعلق ورد البلاء الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- معنى إحصاء أسماء الله الحسنى الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- كتابة القدر قبل الولادة وتخيير الإنسان مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- علم الله السابق بمصير العباد ومعنى الاختبار في الدنيا فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- تفسير "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي