السؤال
في قوله تعالى: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي"، هل يمكن القول بأن موسى عليه السلام تجاوز حدود الصلاحية في طلبه هذا؟ وهل يمكن أن يفهم من الآية الكريمة مشروعية الواسطة وما هي ضوابطها؟
الإجابة
أما المسؤول عنه فهو جدير بالجواب، لكن طريقة السؤال لا تليق في مقام نبي الله موسى عليه السلام، وللمسلم أن يسأل عما يعن له من أمر دينه أو ما يريد أن يفهمه من كلام الله عز وجل في كتابه الكريم أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فطلب العلم والسعي لفهم ما يقرأ في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي شيء من كتب أهل العلم لابد أن يكون بحسن أدب لا سيما إذا تعلق الأمر بمقام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولعل السائل لم ينتبه أو سبق القلم إلى ما ذكره في سؤاله هذا فكان لابد من التنبيه وهو ليس تنبيها خاصا به وإنما هو تنبيه عام فطلب العلم مشروع وللمسلم أن يسأل عما بدا له من أمر دينه لكن لابد من الانتباه لصيغة السؤال ولمقام المسؤول عنه. هذا كما قلت التنبيه، أما كيف نفهم طلب موسى عليه السلام من ربه جل وعلا فيما توجه به إليه كما حكى لنا القرآن الكريم فقال في موضع: "رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي"، وقال هنا كما ورد في السؤال: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي" هكذا نقرأ في قراءة عاصم وحمزة والجمهور يقرؤون "يصدقني"، فكيف نفهم هذا السؤال من موسى عليه السلام لربه؟ نفهمه بأن موسى عليه السلام تقبل ما أُمِر به من التبليغ وكان في غاية التذلل لله تبارك وتعالى بأن أظهر ما يريد فيه العون والتأييد من الله عز وجل مما يعلمه من حال نفسه لكي يؤدي التبليغ ويحقق معنى الرسالة ويتمكن منها، فتوجه إلى ربه جل وعلا بهذا السؤال وهو أن يشرح له صدره وأن تحل عقدة من لسانه وأن يعينه بأخيه هارون، وقال: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا"، وهناك قال: "وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي"، وسنأتي إلى هذا الموضوع لكن لنفرغ أولا من بيان سبب سؤال موسى عليه السلام، إذن ما سأل موسى إلا لهذا لكي يتمكن من التبليغ، هو استقبل أمر الله عز وجل له بهذا الاصطفاء والاجتباء ليكون نبيا رسولا إلى فرعون وملئه وتحمل هذا التبليغ وإذا به في موقف التذلل لله تبارك وتعالى والسؤال والطلب منه جل وعلا الذي يكشف فيه موسى عليه السلام عما يرى موسى عليه السلام أنه يمكن أن يكون مانعا من تحقيق ما كُلِّف به وما يحتاجه من ربه جل وعلا لكي يعينه حتى لا يبطش به فرعون قبل أن يحقق الغاية، هذا صار واضحا الآن، فلماذا قال: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا"؟ ربنا تبارك وتعالى والحقيقة أن هذا الذي ذكره موسى عليه السلام دليل أهليته وفيه تعليم لنا لجانب من أسباب اختيار ربنا جل وعلا لموسى عليه السلام ليبوئه هذه المنزلة العالية الرفيعة، ثم يذكر موسى عليه السلام ما يحتاج إليه من أخيه حينما قال "هو أفصح مني لسانا"، والبيت الذي ذكرتموه سابقا حول العقدة كثير من المفسرين يذكرون رواية لا أصل لها وهي أن فرعون غضب على موسى عليه السلام حينما كان طفلا صغيرا نزع من لحيته فغضب فـيعني قامت امرأته امرأة فرعون مدافعة عن موسى فقالت إنه صبي صغير فلو امتحنتيه فامتحنه بتمرة وجمرة فاختار موسى عليه السلام الجمرة فأثرت في لسانه، لكن هذه الرواية لا أصل لها، الذي دل عليه القرآن هو ظاهره قال: "وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي" يريد أن يكون أكثر بيانا، واللسان في القرآن الكريم يستعمل للدلالة على ما نعرفه نحن اليوم باللغة ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ"، ولذلك فإن غاية ما يريده موسى عليه السلام هو البيان وإقامة الحجة، ابن برجان في تفسيره تنبيه الأفهام ذكر معنى استحسنه كثير من المعاصرين ولا مانع منه، يقول بأن موسى عليه السلام من أسرة عبرانية لكنه نشأ عند فرعون في قصر فرعون فنشأ عند القبط، أعيد إلى أمه للرضاع وهناك أيضا تعرف على أخيه هارون وعرف ديانة هارون واستقامته وصلاحه وأهليته وبيانه وإتقانه للسان قومه العبرانيين والقبط، ثم لما بلغ موسى عليه السلام أيضا لما حصلت حادثة قتل القبطي وخرج موسى عليه السلام من أرض مصر إلى مدين فإنه التحق بأرض العرب ولبث هناك بنص كتاب الله عز وجل سنين من عمره، فهنا هو من أصل كما تقدم عبراني نشأ في بيئة قبطية ثم هاجر إلى أرض العرب وتزوج بامرأة صاحب مدين عربي، ولذلك فإنه وانقطع عن المحل الذي أرسل إليه انقطع عن مصر مدة عشر سنوات على الأقل إن لم نحسب هذه المدة التي مكثها وفاء لما اتفق عليه مع صاحب مدين، ولذلك كما يقول ابن برجان كانت فيه لكنة في لغة قومه قال لكنة وفي موضع قال عجمة لقومه العبرانيين والقبط أيضا لأنه كان تعرف على ألسن عديدة ولذلك أراد طبعا هذا كان قبل يعني في عندما سأل موسى ربه أن يحل عقدة من لسانه وهنا الاستعانة بأخيه فإن الله تبارك وتعالى قد أجاب سؤاله وزال ذلك هذا مما لابد أن يكون واضحا قال "قد أوتيت سؤلك يا موسى" فاستجاب الله تبارك وتعالى له، ولذلك نجد في حوارات موسى وهارون عليهما السلام في أغلب المواضع ينسب القول إلى موسى عليه السلام هو المحاور المباشر، فهناك حوارات فيها هارون أيضا قالا ربنا يعني يجد في المناجاة أن الحوار كان أيضا من موسى وهارون عليهما السلام ولكن ما قصه لنا القرآن الكريم من محاورة موسى عليه السلام لفرعون ولملئه كان بصيغة الإفراد نجده كثيرا والقرآن واضح في هذا هذا ما نص عليه أيضا المفسرون قال "قد أوتيت سؤلك يا موسى"، فهذا هو معنى السياق القرآني وهذا الذي ينبغي أن يوضع فيه، ليس هناك دليل اطلعت عليه يمكن أن يستشف منه على أن هارون لم يكن منبأ قبل ذلك، وإنما ما يتعلق يعني في موضوع آخر منفصل وقد تناولناه أيضا باستطراد ما يتعلق بالشفاعة الحسنة، فالشفاعة الحسنة فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "اشفعوا تؤجروا"، وفيما يجوز فيه فيما تجوز فيه الشفاعة من رفع ظلم هذا يعني أولى الشفاعات الواجبة من رفع ظلم أو بيان حق أو إيصال حق إلى صاحبه أو أن يقول كلمة خير للتذكير لا أن يكون ذلك على حساب من هم أولى أو أن يكون ذلك في إقرار ظلم أو في دفع حق فهذا ليس من الشفاعة ولا هو من الواسطة التي يمكن أن تقبل في دين الله عز وجل، ولذلك يعني كان التنبيه في أول الأمر، هذا لا يليق ولا ينبغي ويجب أن يتنبه السائلون لمثل هذه المواضع وأن يطرحوا ما عن لهم من أسئلة بما يليق بمقام أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام وبما يليق أيضا بمقام أهل العلم كل بمنزلته ومقامه والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- تفسير دعاء موسى 'فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين' وهل مات هارون في التيه سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الحكمة في مؤازرة هارون لموسى الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- أخوة هارون لموسى عليهما السلام الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- السياق في "إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي" وهل تزوج موسى واحدة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير دعاء موسى "ربنا اطمس على أموالهم" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي