السؤال
في قوله تعالى (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين)، هل يعني ذلك أن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا من بني إسرائيل في سني التيه الأربعين خلافاً لما يروى أنهما ماتا معهم في الصحراء؟
الإجابة
الجواب لا، لا يؤخذ هذا من الآية الكريمة، فمعنى الآية الكريمة حينما امتنع قوم موسى عليه السلام من بني إسرائيل عن الدخول إلى القرية التي أمرهم الله تبارك وتعالى بدخولها وطلبوا من موسى أن يذهب هو وربه كما جاء في كتاب الله عز وجل، وبعد أيضاً نصح الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما، تبين لموسى أنه لا رجاء في هؤلاء القوم لضعف إيمانهم ولتعلقهم بالدنيا ولترددهم فيما أمرهم الله تبارك وتعالى به، فلجأ إلى ربه قائلاً (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيني وبين القوم الفاسقين)، فأكثر القول أن أخاه المقصود هنا هو هارون عليه السلام ومن المفسرين من قال بأنه يوشع بن نون لأن هارون في ذلك الوقت حسب هؤلاء كان قد مات عليه سلام الله، ولكن الظاهر أنه يقصد هارون عليه السلام، وهذا الدعاء من موسى عليه السلام وإن كان على أسلوب الخبر لكنه بث شكوى إلى الله تبارك وتعالى وإعلان براءة مما كان عليه حال قومه ولذلك سماهم فاسقين (فافرق بيني وبين القوم الفاسقين)، والمقصود من هذا الدعاء من هذه الضراعة وشكاية الحال هو توقي أن يعمهم عذاب من عند الله تبارك وتعالى على حالتهم تلك أي في دنياهم، فأراد موسى عليه السلام أن يعتذر إلى ربه وأن يشكو قومه وأنه قد اجتهد غاية ما يستطيع فلم يستجيبوا له، فإن كان من عذاب فإنه لا يملك إلا نفسه ويملك نفس أخيه في الاستجابة لأمر الله تعالى وفي الطاعة والالتزام بما يأمر الله تبارك وتعالى به، لكنه يعلن الانفصال (فافرق بيني وبين القوم الفاسقين) أي افصل، فالفرق هو بمعنى الفصل ولذلك يقال مفرق الشعر أي أنه حيث يفصل شعره حيث يقسمه، فهذا الذي أراده موسى عليه السلام ولذلك لما جاءت العقوبة لم يدخله الله تبارك وتعالى وإنما قال (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض)، ولا إشكال في أن موسى عليه السلام كان معهم في التيه لأن موسى عليه السلام لم يكن هذا التيه في حقه عقوبة لأنه رسولهم مأمور بإصلاحهم وبدعوتهم وبسياسة أمرهم، فذلك يزيده درجات عند الله تبارك وتعالى ولا يغير من حقيقة ما أرسل به موسى إليهم، فهو على أصل ما أرسل به إليهم من إيصال دعوة الحق وتبليغ شريعة الله تبارك وتعالى إليهم وإخراجهم مما ألفوه من الذلة والهوان والاستعباد الذي كانوا عليه حينما كانوا عند الفراعنة، فذلك الإذلال والاسترقاق أورثهم كما يقول السيد رشيد رضا طباعاً سيئة أورثهم مذلة ومهانة وجعلهم خانعين أذلاء ضعفاء يتوقون إلى ما كانوا عليه من الاستعباد والاسترقاق ليست لهم همة ولا طموح، ولالسيد رشيد رضا في هذا الموضع من تفسيره كلام رائع في تأثير الظلم والاستبداد واستعباد الناس في تغيير طباعهم وصفاتهم وخصائصهم ولذلك أمثال هؤلاء الذين استمرؤوا الضعف والذلة والهوان لا يصلحون لفتوحات ولإقامة دين الله تبارك وتعالى فكتب الله عز وجل عليهم التيه أربعين سنة كان فيها موسى وهارون عليهما السلام يؤديان رسالة الله عز وجل إلى بني إسرائيل بالتوجيه والنصح والإصلاح وإقامة شرع الله عز وجل والتربية والتعليم للأجيال التي نشأت فانقرض ذلك الجيل الضعيف الذليل المهان وجاء جيل جديد قاده يوشع بن نون فتمكنوا من دخول الأرض المقدسة، هناك رواية فيها إشارة إلى أن موسى عليه السلام قضى نحبه في هذه المدة، ولذلك لما جاءه ملك الموت في الحديث الشهير فإنه لما قال إذن فالآن، وسأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن قبره عند الكثيب الأحمر لو أني أريتكم إياه، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلمه الله عز وجل بمكان قبر سيدنا موسى عليه السلام ووصفه، أما في نصوص التوراة والعهد القديم فإنهم لا يعرفون مكان وفاة موسى، هذا هو الذي عليه أكثر المفسرين، هناك بعض المفسرين الذين يرون بأن موسى بقي إلى ما بعد التيه، قلت قلة من المفسرين هذا القول موجود ولمن أراد أن يطالعه سيجد أن بعض المفسرين يقولون بأن موسى عليه السلام عاش إلى ما بعد التيه وأنه دخل معهم إلى الأرض المقدسة، يستندون إلى ما ورد في كتاب الله عز وجل أن مدة التيه هذه حصلت فيها حوادث هم أنعم الله عز وجل عليهم بالمن والسلوى ولكنهم كان لهم حنين إلى القثاء والبصل والثوم والفوم، فأمروا أن يهبطوا مصراً، كان ذلك في فترة التيه، أيضاً تفجر العيون كان في فترة التيه، جملة من الأحداث التي حصلت، فلا يستقيم هؤلاء يرون أن ذلك كان في فترة التيه والتيه في الصحراء وأريد منها الإغلاظ والشدة بينما هذه المطالب تشي بأنهم تحضروا نزلوا إلى حواضر إلى مدن وأن مقتضى أيضاً التربية والرسالة أنها تحتاج إلى تحضر ومدنية عمران مدني، لكن هذا لا يكدر على قول الجمهور لأنهم حتى عند الجمهور في فترة التيه فإن مثل هذه المطالب كانت لم تكن على جهة الديمومة أنهم انتقلوا من حالة التيه وأنهم تمكنوا من الوصول إلى الأرض المقدسة وإنما كان ذلك فترات مستثناة فترات مستثناة وكانت لازمة عندهم أيضاً لمزيد من الابتلاءات التي تمحصهم والتي تربي الأجيال الجديدة على مختلف أنواع الاستجابة لأوامر الله تبارك وتعالى التي يبلغهم إياها موسى وهارون عليهما السلام ولشريعة هذه الشريعة المنزلة عليهم والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- طلب موسى إرسال هارون معه ومشروعية الواسطة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- السياق في "إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي" وهل تزوج موسى واحدة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير آية معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير دعاء موسى "ربنا اطمس على أموالهم" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- معنى الاستفزاز في وصف فرعون في سورة الإسراء سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي