السؤال
هل يمكن أن نعتبر قضية الأخلاق، لأنها مهمة جداً في موضوع الصيام، البعض أو المرء قد تكون لديه وعورة في الأخلاق، سواء كان رجلاً أو امرأة، يتصرف معها تصرفاً نفعياً، لكن إذا جاء شهر رمضان وجد نفسه مضطراً إلى اعتبارها أخلاقاً مطلقة ويتعبد بها لله سبحانه وتعالى؟ هل يمكن أن يكون هذا نوعاً من المراجعة لمسالك الأخلاق خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: 'الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس'؟
الإجابة
إن لم يكن رمضان محققاً لهذا المعنى الجليل الذي تسألون عنه فمتى يمكن لهذا العبد أن يصحح تصوره عن الأخلاق؟ ذلك أن الأخلاق في هذا الدين الحنيف ليست من الفواضل ليست مما يمكن أن يجعله المسلم كما يقال في هامش حياته بل هي منهج حياة. والأخلاق هي في جوهر العبادات التي يؤديها المسلم لربه تبارك وتعالى فيروض نفسه على الخلق الحسن، يبتعد عن الفحش وعن الإساءة وعن مقابلة الإساءة بمثلها ليذكر نفسه ويذكر غيره إن سابه أو شاتمه أو قاتله بقوله 'إني صائم'. فهو يبتعد عن كل أنواع الفحش والبذاءة وكما يبتعد في المقابل عن الخنا وما يسخط الله تبارك وتعالى من السفاهة ولهو الحديث. كل ذلك يتحقق له إن كان صائماً حقاً ولا يعدل رمضان شيء في تبلغه تزكية أخلاقه وصفاء نفسه. لكن هذا لا يعني أن ذلك يحصل له دون عناء منه لأن هذه النفس يمكن أن تجمح به ويمكن أن تستبد به الأهواء والشهوات ويمكن أن يغلبه حب السيطرة والأثرة والانتصار للنفس وما يمكن أن يوسوس به إليه شيطانه من عدم قبول الضيم، فإذا به يخوض مع الخائضين في بذاءة القول وفي الإغلاظ على الآخرين في غير ما موجب شرعي أو الإساءة إليهم. هذه مداخل للشيطان يفسد بها عليه أخلاقه، فعلى الصائم أن يكون مراقباً لنفسه مراقباً للسانه مراقباً لجوارحه أخذاً بجوارح نفسه إلى ما يرضي الله تبارك وتعالى من القول الحسن والخلق الجميل والأدب الرفيع. وأنا هنا أذكر إخواني من أهل عمان نظراً لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلدهم شهادة عظيمة حينما قال لمن أرسله إلى حي من أحياء العرب فسبوه وشتموه فرجع إليه فقال له عليه الصلاة والسلام 'لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك وما ضربوك'. هذا تاج توجنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجب علينا أن نحافظ عليه، أن نزداد خلقاً وأدباً وأن نحسن أخلاقنا وأن نرتقي بها وأن ننتبه لما يمكن أن يؤثر على قيمنا وأخلاقنا وآدابنا الحسنة الجميلة من مؤثرات معاصرة وأن نغرس هذه الأخلاق والآداب والقيم لدى ناشئتنا، نعلمهم إياها ونعرفهم بها وأن نكون لهم قدوة فيها وأن ننبههم عليها حينما يخطئون، أن نريهم هذه الأخلاق والقيم في واقعنا في واقع حياتنا. هذا كله يسهل علينا في رمضان لأن شهر الصيام فيه كسر لكل الشهوات حينما يصفي المرء نيته وقصده لله تبارك وتعالى. فإذا ارتياضت هذه النفس على الأخلاق الجميلة الحميدة وعلى الآداب الطيبة القيمة الرفيعة فإنه يسهل عليها بعد ذلك أن تكون على خلق قويم وآداب رفيعة في كل أحوالها. فرمضان وهذا المعنى حسناً أنكم ذكرتموه هو مدرسة عالية رفيعة للأخلاق والقيم والآداب الإسلامية العالية الرفيعة.