في ضوء قوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير)، يمكن أن تُقرأ هذه الآية في سياق التعددية الفكرية والدعم لمبدأ (لا إكراه في الدين) وأن الله تعالى أوكلهم إلى ما يعملون في حياتهم، لكن ماذا نقول بالنسبة للذين يصادرون حرية التفكير مثلاً في داخل السياق الإسلامي نفسه، فيصادرون حق الإنسان في اختيارات معينة داخل الدائرة الإسلامية، ويُتهم بالتكفير أو التبديع أو التفسيق أو الانحراف رغم أن الآية تشير إلى خلاف ذلك؟
الإجابة
الآية في الحقيقة تنصب الحقائق لا تكره أحداً وإنما تبين عاقبة ما يؤول إليه حال من يسلك طريقاً فإن اختار طريق الحق والإيمان والاستجابة لدواعي البراهين والحجج الماثلة أمامه فإنه يكون من الصنف الذي يأتي آمناً يوم القيامة وإن اختار طريق الزيغ والضلال والانحراف والعدول بتأويلات باطلة أو بتحريف وتبديل أو بإعراض وإنكار فإن الآية تبصره أيضاً بالمآل الذي ينقلب إليه لأجل أن يكون على بينة ومحجة واضحة بيضاء لا غبش فيها فيكون ما يختاره بأمانة ومسؤولية مفضياً إلى نتيجة عرف بها وأطلع عليها ولذلك فإن هذه الآية الكريمة فيها وعيد وتهديد هذه الصيغة لما يأتي ربنا تبارك وتعالى قائلاً (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا) هنا يخاطب العقل والقلب يخاطب الروح لأنه جل وعلا هو الخبير البصير هو المطلع على خفايا العباد فيذكرهم بأنه مطلع على ظواهرهم وبواطنهم على حقائقهم وسرائرهم لا يخفون علينا وفي هذا تذكير أيضاً لهم بأن يتذكروا هذه الحقيقة وأن يستصحبوا مراقبة الله عز وجل لهم واطلاعه جل وعلا على كل ما تكنه أنفسهم وما يبدونه ثم يأتي في آخر الآية الكريمة ويقول (اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) مرة أخرى يجعل القرار إليهم في الاختيار بإرادة حرة على أن يتحملوا عواقب ما يختارونه فالإنسان جعل الله تبارك وتعالى له إرادة نصب له الحجج والبراهين وخاطب فيه كوامن هذه النفس وخاطب فيه عقله وقلبه وجوارحه لأجل أن يستجيب للحق وأن ينقاد له فإن اختار غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه هذا هو المبدأ الذي تقرره الآية الكريمة. هل حصل في تاريخ المسلمين مما تشيرون إليه أن المسلمين انحرفوا عما تحمله هذه الآية الكريمة أو عما هو في حقائق هذا الدين من أن عليهم واجب التبليغ والبيان وبعث رسالة الحق في الناس وفي العالمين وأن ما كان مما فيه سعة رأي ومجال للنظر مما يحتمله الحق ومما هو من فروع هذا الدين ولكنهم مع ذلك ضاقوا نفوساً وأعملوا هذه الأوصاف في غير محالها نعم حصل ذلك منهم لكن هذا لا يمكن أن يعاتب به مجموع هذه الأمة ولا العدول من علمائها أما ما يتعلق بالزيغ عن الحق والانحراف عن الصراط المستقيم مما أشارت إليه الآية الكريمة أو مما يحتمله معنى الآية الكريمة من الإلحاد في آيات الله تبارك وتعالى فهذا لا يمكن إلا أن ترد مزاعمه وأن تبين أباطيله وأن يحاور ويكشف عواره وأن تنصب الأدلة على قائليه وأن يدعى هؤلاء الذين يتبنون ما يمكن أن يزيغ بهم عن الصراط المستقيم أن يدعوا إلى اتباع الحق بمختلف الوسائل والحجج هذا من واجب المسلم على أخيه المسلم لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولأنه من الانتصار لدين الله تبارك وتعالى ولأن فيه سداً لأبواب النيل من هذا الدين والطعن فيه فهو ابتلاء لهؤلاء قبل أن يكون ابتلاء لأولئك الذين يستجيبون لمزاعم الإلحاد وقبول الشبهات والزعم بأن في مثل هذه القضايا والحقائق الإيمانية الحقة أن فيها مجالاً للقبول والأخذ لا بل قبل أن يكون هذا بلاء عليهم أو فتنة وابتلاء لهم هي أيضاً في الوقت ذاته ابتلاء لعموم المسلمين كيف يصنعون حينما يتنقص دين الله تبارك وتعالى حينما تثار مزاعم أو شبهات وحينما يدعى حول هذا الدين أباطيل وأراجيف ولا سيما في وقتنا المعاصر مع كثرة وسائل التواصل ومع ضعف الحصانة العلمية الدينية عند طائفة غير يسيرة من شباب المسلمين فهنا لا بد أن يقوم المسلمون بواجبهم كل بما يستطيع نصرة للحق ودعوة للحق وبياناً للباطل ورداً لهذه الشبهات وكشفاً لزيف هذه الأباطيل وأن يستعملوا في تحقيق هذه الغايات كل الوسائل المتاحة الممكنة والله تعالى المستعان.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.