السؤال
محمد يقول ما الفرق بين العفو والصفح والغفران في قوله تعالى: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؟
الإجابة
باختصار شديد، العفو هو مأخوذ من المحو أي أن يمحو الزلة، ولذلك عرف العفو حينما يرد في كتاب الله عز وجل في أبسط معانيه وأحسنها أنه ترك المؤاخذة على الذنب، وفوقه الصفح، والصفح مأخوذ من الإعراض، ومعناه الإعراض عن التثريب واللوم أو ترك التثريب واللوم، إذاً هو درجة فوق العفو، العفو أن يمحو الغضبة الناشئة من وقوع الخطأ عليه فلا يؤاخذ، يترك العقوبة يترك المؤاخذة، أما الصفح فإنه لا يكتفي بترك العقوبة والمؤاخذة بل إنه يترقى إلى درجة يترك فيها الملامة لا يثرب ولا يلوم ذلك الذي صدر منه الخطأ عليه، المغفرة فوق العفو والصفح، فالمغفرة مأخوذة من الستر، وهذا يعني أنها عفو وصفح وستر بحيث تمحى ويزول أثرها ولا يبقى بل يزيد الله تبارك وتعالى لعباده إحساناً وفضلاً ومنة، فالمغفرة لأنها كأن كأن شيئاً لم يكن، تستر تماماً وكأنها لم تكن، هذا هو معنى الستر المأخوذ الموجود في كلمة المغفرة، وهذه المعاني معاني جليلة ينبغي للمسلمين اليوم الحرص عليها، فإن الله تبارك وتعالى في قصة الإفك التي خاض فيها من خاض، فكان ممن خاض فيها قريب لأبي بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه وهو من المهاجرين الفقراء اسمه مسطح ابن أثاثة، فخاض مسطح في حادثة الإفك وتكلم في عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحلف سيدنا أبو بكر ألا يستمر في صلته فنزل قول الله تبارك وتعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، فقال لما سمع سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه هذه الآية الكريمة قال بلى والله، فزال ما كان في نفسه تحرياً لما ادخره الله تبارك وتعالى له من وعد في هذه الآية الكريمة، هو ومن صنع صنيعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رضوان الله تعالى عليهم لأن هذا الموعود به عظيم، فالله تبارك وتعالى أمر بالعفو وأمر بالصفح ثم قال: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، لم يقل ألا تحبون أن يصفح أو أن يعفو، وإنما كان الموعود به أعظم مما فعلوه هم، وفي هذا من الوصية للمؤمنين بالتحلي بهذا الخلق العظيم ما لا مزيد عليه، فإن الذي يعفو ويصفح لا يفعل ذلك على سبيل المكافأة لمن وقع منه الخطأ، وإنما يفعل ذلك تحرياً لما ادخره له ربه تبارك وتعالى في الآخرة طمعاً في هذا الثواب العظيم ورجاء أن تشمله مغفرة الله عز وجل، ومن منا لا يحب أن يغفر الله تبارك وتعالى له، فلأن يتجاوز أن يكظم غيظه ثم يتجاوز عمن وقع منه الخطأ أن يترك مؤاخذته بذلك الخطأ ثم يترفع فلا يثرب عليه ولا يسمعه كلمة فيها لوم فإنه سيحظى بمنزلة عظيمة عند الله تبارك وتعالى، والله عز وجل يقول أيضاً: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، وكأن الله تبارك وتعالى استأثر واختص لنفسه بهذا الأجر العظيم لهذا العبد الذي يعفو ويتحرى إصلاح ما في النفوس وإزالة ما علق بها وأن يحل محلها التواد والتعاطف والتراحم فيكظم غيظه ويحسن إلى غيره، قال {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، ورد عند الإمام أحمد أن منادياً ينادي يوم القيامة أين الذين أجورهم على الله؟ أين الذين أجورهم على الله؟ فينظر الخلائق تنظر من هؤلاء الذين أجورهم عند الله تبارك وتعالى فإذا بهم العافون عن الناس، فهذه منزلة عظيمة وهذه الآيات الكريمة تذكر المؤمنين بأهمية هذه الخصال الجميلة الرفيعة التي تبلغ العباد المنازل العالية، ويخطئ كثير من الناس حينما يقول بأن فلاناً هذا لا يستحق العفو، صدر منه وصدر وفعل وفعل وأصابني بكذا وأصابني بكذا، ولا يلتفت إلى أنه هو الذي يحتاج إلى مغفرة الله تبارك وتعالى وإلى أن يتجاوز الله عز وجل له عن سيئاته، فإنه حينما يفعل ذلك يقطع النظر عن استحقاق الآخر إلا في صورة واحدة أن يكون في هذا العفو ما يمكن أن يورث ذلك الآخر مزيداً من الظلم والبغي والعدوان عليه أو على غيره من الناس ولذلك قالت الآية الكريمة {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ}، فالمقصود من العفو استلال ما في النفوس وتقديم مصالح أعلى وتمتين الأواصر وإعادة العرى إلى التماسك والتواد والتعاطف والتراحم ابتغاء ما أعده الله تبارك وتعالى من هذا الأجر العظيم الذي اختصه لنفسه جل وعلا في يوم يحتاج فيه العباد إلى رحمات الله تبارك وتعالى، والذي قال فيه أيضاً {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، هذا استطراد ساقنا إليه بيان هذه الفروق اللغوية لهذه المفردات في كتاب الله عز وجل والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الفرق بين العفو والصفح في قوله تعالى 'والكاظمين الغيظ' سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الفرق بين العفو والصفح والمغفرة ووصف الله بالصفوح سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الفرق بين المغفرة والعفو الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- صحة حج المخاصم الرافض للتواصل مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الإصرار على الخصام بعد محاولة الاعتذار مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي