الحكمة من ترتيب السجود قبل الركوع في آية (اقنتي لربك)

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-03

السؤال

ما الحكمة من ذكر السجود قبل الركوع في الآية الكريمة "يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين"؟ وما الفائدة المستمدة من ذكر الراكعين بدل الراكعات؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فالجواب عن هذا السؤال هو أن هذا الترتيب الوارد في هذه الآية الكريمة أي في قوله تعالى "يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين" يشتمل هذا الترتيب على معانٍ عظيمة ودلالات عميقة، والسائل بارك الله فيه لم يذهب بعيداً حينما توقع أن يكون لهذا الترتيب بهذه الأوامر من ربنا جل وعلا لمريم عليها السلام بالقنوت أولاً ثم بالركوع ثم بالسجود مع الساجدين دلالات فيها لمسات قرآنية لطيفة. والذي يظهر لي أن هناك معنيين يؤخذان من هذا الترتيب في هذه الآية الكريمة، المعنى الأول يتعلق بالانتقال من الكثرة إلى القلة، أي من المطلوب من مريم عليها السلام أن تأتي به على جهة الإكثار إلى ما هو دون ذلك وسأوضح. وأما المعنى الثاني فإنه أيضاً انتقال من الخفاء إلى العلن. فجاء الأمر بالقنوت أولاً، والقنوت هو مداومة الطاعة مع خشوع واستكانة وتذلل، هذا هو جماع ما يدور حوله معنى القنوت الوارد في كتاب الله عز وجل، وإن تنوعت عبارات المفسرين وعبارات علماء اللغة إلا أنها لا تخرج عن هذا المعنى. فالقنوت ليس مجرد طاعة ولا هو مجرد خشوع كما يظن البعض، وإنما هو مداومة على الطاعة بخشوع واستكانة وتذلل. فهو انصراف يبدأ من القلب إلى طاعة الله عز وجل، بحيث يكون هذا القلب خاشعاً متذللاً مستكيناً لله تبارك وتعالى متجهاً إلى ملازمة الطاعة والمداومة عليها. وهذا مطلوب منها في كل الأحوال، أن تداوم على طاعة ربها وأن يخشع قلبها له جل وعلا وأن تجعل صلتها به سبحانه قائمة على التذلل والاستكانة والخشوع والإخبات، فإذاً هذا هو المطلوب منها أن تأتي به على جهة التكثير والملازمة والمداومة (القنوت). ثم تنتقل بعد ذلك إلى الركوع، والركوع هنا، وتنتقل بعد ذلك إلى السجود، فالسجود يعني أن تكثر من الصلاة فإن السجود يطلق ويراد به الصلاة بهيئاتها المخصوصة، لكن لأن هيئة السجود هي أشرف الهيئات في إظهار تذلل العبد إلى ربه جل وعلا فإنها قد خصت بالذكر هنا، وهذا يرد كثيراً في كتاب الله عز وجل ويرد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واللغة تؤيده، بحيث يطلق على الكل بالبعض لأنه أدل على الكل. وهنا أمرت بالسجود لأنه يشمل سجود الخفاء في صلواتها بنفسها في تبتلها إلى ربها تبارك وتعالى آناء الليل وآناء النهار تصلي لله عز وجل تقوم وتسجد في صلوات السر، في الصلوات التي تكون في خفاء عندما تخلو إلى ربها جل وعلا فتأتي ما تستطيع من صلوات، وعبر عن هذا المأمور به بالسجود، لكنه أقل من القنوت، فالقنوت يشمل صنوفاً من الطاعات وهو ينصرف إلى الباطن والظاهر، وهو يحتاج إلى استكانة وتذلل في كل الأحوال في كل الأفعال والأقوال لا يقتصر على حالة من العبادات واحدة. أما السجود هنا فينصرف إلى سجود الصلاة، ولكنه لا يقتصر على الصلوات في جماعات أو الصلوات في المساجد أو الصلوات في بيوت الله تعالى (صلوات السر)، وإنما يشمل صلوات السر يشمل الصلوات في محراب عبوديتها لله تبارك وتعالى في بيتها وحينما تخلو إلى نفسها وفي أي مكان تنقطع فيه إلى ربها جل وعلا بحيث يبعد أن يراها أحد. ثم ينتقل بعد ذلك إلى أداء الصلوات في جماعة أو حيث في بيوت الله عز وجل حيث يؤدي معها غيرها، وهذا أقل من الثاني وهما أقل من المأمور به أولاً، ولذلك اقترنت هنا بالمعية مع الراكعين أي هؤلاء الذين يصلون ويركعون لله تبارك وتعالى في بيوت الله عز وجل في جماعات أو منفردين، لكن المقصود هنا ليس صلوات السر وليس الصلوات التي تكون عند الانقطاع والخلوات، وإنما يقصد بها ما يكون في بيوت الله عز وجل وفي الأوقات التي أمروا أن يؤدوا فيها الصلاة. وبملاحظة هذا المعنى يتبين أيضاً ما يتعلق بالجهة الثانية وهي جهة الإخفاء والإظهار، فهو انتقال مما هو أخفى إلى ما هو دونه في الخفاء أي أنه أقرب إلى الظهور إلى ما هو أظهر. وهذا يتناسب مع الحالة التي ستُبتلى بها مريم عليها السلام، فإن أمر حملها بعيسى عليه السلام سيكون خفياً ثم بعد ذلك سيظهر شيئاً فشيئاً وتحتاج إلى هذا الإعداد الرباني لتتمكن من مواجهة ما سيلقاه بها قومها حينما تأتي بعيسى عليه السلام. وهو أيضاً يتناسب مع هذا المقام العالي الرفيع لمريم عليها السلام وهي في مصاف الصديقين، فيحتاج المكلف إلى أن يكثر من العبادات التي لا يطلع عليها أحد وأن يصلح سريرة نفسه وأن يزكي قلبه لينعكس ذلك في أعماله وأقواله، كما يحتاج إلى أن ينقطع إلى الصلوات التي يخلو بها مع ربه جل وعلا في جوف الليل وفي الأوقات التي يغفل فيها غيره عن القيام بهذه العبادات، مع لزوم أيضاً شهود الجماعات والمواضع التي يؤمر فيها المؤمنون بالشهود والحضور. وأما لماذا قال الراكعين ولم يقل الراكعات؟ فلأن هذا إنما يأتي على سبيل التغليب ليدخل فيه الرجال والنساء، فلو قال الراكعات فإن الرجال لا يدخلون فيه، وإنما أريد هو إدخال الجميع، هذا الذي يظهر لي والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الحكمة من ترتيب السجود قبل الركوع في آية (اقنتي لربك)
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي