التوفيق بين "بدأ الإسلام غريباً" و"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار"

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#عام 2026-08-01

السؤال

كيف نوفق بين الحديث النبوي "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء"، وقوله صلى الله عليه وسلم "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله تعالى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين"؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم، اللهم أغث بلادنا، اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً غدقاً مغدقاً نافعاً غير ضار، اللهم ابسط علينا نعماءك وارفع عنا بلاءك يا الله يا ذا الجلال والإكرام، أما بعد، فالجواب عن هذه المسألة يبينها أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فظاهر الحديثين محل السؤال أن بينهما تعارضاً، فإن في الحديث الثاني وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم سيبلغ هذا الدين ما بلغت الشمس ولا يترك بيت مدر ولا وبر إلا دخله، وهذا الحديث ورد بروايات متقاربة، يفهم منه انتشار هذا الدين وأن يبلغ إلى كل مكان، أن يشمل أرجاء المعمورة، بينما الحديث الأول في السؤال وهو حديث بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً يفهم منه أن أهل هذا الدين سيعودون غرباء، والغريب هو من كان مختلفاً عمن حوله، فيشعر بغربة لأنه على خلاف من هم حوله، فالذين حوله هم الكثرة الكافرة، وأما أهل هذا الدين كما يفهم من ظاهر الحديث فإنهم سيكونون غرباء، الحاصل أن وجه الجمع بين الحديثين هو أيضاً ما بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ثوبان عنه عليه الصلاة والسلام حيث يقول يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أمن قلة نحن يومئذ؟ قال لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم لكم، وليورثنكم الوهن، قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت، هذا الحديث النبوي الشريف يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل الثبات والصلاح وحسن التدين والاستقامة على أمر الله عز وجل والقيام بواجب هذا الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيكونون قلة، فالقلة هنا بحسب النوع لا من حيث العدد، ولذلك قال بأنكم كثير بل أنتم كثير، ثم بين بأنهم كغثاء السيل، وبين مبعث ذلك أنه حب الدنيا وكراهية الموت، فانغماس أبناء هذه الأمة في حب هذه الدنيا وشهواتها وملذاتها سيجعلهم أذلة ضعفاء، لا يهابهم أعداؤهم وهم متعلقون بهذه الدنيا وزخارفها وتراثها ومتمسكون بها، لا يلقون للدين بالاً ولا يرفعون للحق رأساً، فهذا الحديث يبين ما يوهمه الحديثان المتقدمان من تعارض، ويتأكد هذا أيضاً بحديث آخر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو حديث لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، فالحديث يبين أن هؤلاء الذين يتمسكون بالحق ويثبتون عليه ويبذلون نفوسهم في سبيل نصرة الحق وبسط العدل ورفع الظلم هم طائفة فقط من هذه الأمة، وأن هناك من يخذلهم، لكنه لا يضرهم، وأنهم سيبقون على هذه المبادئ الراسخة الثابتة إلى أن يأتي أمر الله تبارك وتعالى، فإذاً هذه الروايات هي التي تفسر ما أشار إليه حديث الغربة "بدأ هذا الدين غريباً" أو "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً"، فالغربة هي غربة نوع من حيث من يتمسك بهذا الدين ويحمل لواءه ويذود عن حياضه ويبسط العدل ويؤدي واجب الدعوة إلى الله تبارك وتعالى على حكمة وبصيرة ويحفظ حرمة هذا الدين وحرمة أهله وحرمة مقدساته ويسعى إلى أن يوصل رسالة الحق إلى الخلق أجمعين، فهؤلاء قلة، وأما المجموع العام من الأمة فهم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي السواد الأعظم إنما هم غثاء كغثاء السيل، هذا هو أوجه ما يجمع به بين هذه الروايات، وقيل بأن هذه الروايات تتحدث عن أزمنة مختلفة وأمكنة مختلفة، فليس فيها القطع بأن هذا الحال سيكون عليه في آخر الزمان، وقيل بأن ذلك باعتبار بعض الأمكنة عن بعض، ففي بعض الأماكن سيزوى شأن أهل الإسلام ويبسط في أماكن أخرى، في بعضها سيصيبهم الهوان والذل وفي أخرى سيكونون أعزة، ولكن هذه الوجوه لا تخرج أيضاً عما تقدم بيانه، فالحديث إنما هو عن وصف مجموع هذه الأمة وبيان حالها الذي ستؤول إليه، وحديثه صلى الله عليه وآله وسلم في ما بين في قوله يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها يؤكده واقع الحال في فترات تاريخية كثيرة كما يؤكده يشهد به واقع الحال اليوم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع عن هذه الأمة كل كرب وأن يكشف عنها كل سوء وأن يورثها العزة والنصر والتمكين وأن يؤلف بين قلوب أتباعها وأن يكونوا ممن يصدق عليهم قوله لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم وهم كذلك إلى أن يأتي أمر الله، هذا والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

التوفيق بين "بدأ الإسلام غريباً" و"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار"
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي