السؤال
في سورة صاد في قوله تعالى: "كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب"، لماذا فصل هنا بين عاد وثمود مع أن عادة القرآن الكريم أن يأتي متتابعين مباشرة؟
الإجابة
نعم وهذه المسألة مسألة مهمة وسأكرر مقدمة قلتها كثيراً للجواب عن هذا السؤال أي المقدمة للجواب عن هذا السؤال باختصار، القرآن الكريم ليس سجلاً تاريخياً يدون الأحداث بحسب تسلسلها الزمني، هذا مما ينبغي أن نتنبه له، فإذا جاء سياق فيه ذكر لأمم وأقوام أو لأنبياء ومرسلين في كتاب الله عز وجل في السورة الواحدة أو في سور متعددة فإن الغرض والغاية من ذلك السياق والمعاني المقصودة من ذكر هؤلاء الأقوام ورسلهم وأنبياهم عليهم الصلاة والسلام هي التي تكشف عن سر الترتيب، إذاً فليس الأصل مراعاة الترتيب الزمني، وإنما الغرض هو الغرض في ذلك السياق القرآني سواء كان في السورة كلها أو كان ذلك في ذلك الموضع من السورة الذي ورد فيه الترتيب. هل يعني هذا أن الترتيب الزمني مهمل? لا، هناك مواضع فيها مراعاة للترتيب الزمني، وكثيراً كما قال السائل ما ترد ثمود بعد عاد لكن هذا أيضاً ليس في كل المواضع وليست الكثرة أيضاً كثرة طاغية. الآن لنأتِ إلى الجواب عن السؤال بعد هذه المقدمة، سورة صاد في صدارة موضوعاتها ومقاصدها كشف أحوال ذوي الجبروت والخصومات، هي أكثر سورة تعرض خصومات بصيغة الخصومة، وتتحدث عن أحوالهم أحوال الأقوام الذين بعث فيهم الأنبياء والمرسلون، هؤلاء الأقوام من ذوي الجبروت والطغيان البالغ الشديد العظيم وكيف كان حالهم من بعد، كما تحكي أيضاً قصص جملة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وكيف أورثهم الله تبارك وتعالى النصر والعزة والتمكين ونشر كلمة الحق في الخلق، ذكرت قصة داود وسليمان وأيوب وإبراهيم من بعد، هذا يدل على أن الترتيب الزمني غير مرعي في سورة صاد. لكن في صدارة أؤكد أن في صدارة موضوعات سورة صاد بيان مواقف العتاة المجرمين من القرون التي بعث فيها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وهم الذين واجهوا أنبياءهم متحزبين وفرادى وبالقوة والشوكة وبالتسفيه والاستهزاء، هذا لا بد أن يكون حاضراً لنفهم سورة صاد. الآن سينكشف المعنى لماذا هذا الترتيب الوارد في الآيتين الكريمتين، في صدارة السورة ربنا تبارك وتعالى يقول: "ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق"، هذا لما قلت بأن السورة الكريمة تكشف من بدايتها أن موضوعها سيكون كشف أحوال هؤلاء العتاة الذين تحزبوا لمواجهة دعوات الحق على لسان الأنبياء والرسل الذين أتوا هؤلاء الأقوام الذين بعثهم الله عز وجل في هذه القرون. قبل هاتين الآيتين ربنا تبارك وتعالى يقول: "جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب"، قبل ذلك كما قلت في صدر السورة قال: "بل الذين كفروا في عزة وشقاق" ثم قال في الآية قبل الآيتين: "جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب" ثم قال في ختام الآيتين "أولئك الأحزاب"، "كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب". إذاً إظهار هذا الجانب من مناوأة الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وخصومة الحق الذي أتى به هؤلاء الأنبياء والرسل والتحزب ضد الأنبياء والرسل ودعوة الحق والتعنت في وجوه الأنبياء والرسل ودعوتهم عليهم الصلاة والسلام مقصود إظهاره، ولذلك ابتدأ بالأشد عتواً ونفوراً، ابتدأ بنوح بقوم نوح عليه السلام، وهنا يحضر العنصر الزمني على اعتبار طول المدة أيضاً، طول المدة ثم إن الله تبارك وتعالى وصفهم بأنهم أظلم وأطغى قوم نوح "وقالوا ومكروا مكراً كباراً"، لا يلتفت الناس إلى أن قوم نوح عليه السلام لأن السياقات القرآنية تتحدث عن نوح كثيراً لكن هناك آيات تكشف طبيعة قوم نوح أن يصفهم الله عز وجل بأنهم أظلم وأطغى وأن يصف مكرهم وهو الموضع الوحيد بأنه كبار مكر كبار فهذا يكشف عن طبيعتهم، وما أشرتم إليه من طول المدة والمكث فما آمن معه إلا قليل، فـ قوم نوح فيما يتعلق بالعتو والطغيان والعزة والشقاق والتحزب على دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هي الأظهر، ثم قال عاد، ونبي الله هود عليه السلام لاقى من قومه أشد أنواع الاعتراض والخصومة والمناوأة والتحزب وتنويع وسائل الاعتراض والمجادلة والخصومة التي لاقاها، ولذلك ربنا تبارك وتعالى يقول "ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد"، ثم قال وثمود الذين في الفجر "وثمود الذين جابوا الصخر بالواد"، هنا أخر ثمود عن عاد لأن الذي كشف لنا القرآن الكريم من فعل قوم ثمود أنهم ذبحوا الناقة لا غير، لم يذكر، نعم هم تعنتوا وخاصموا نبيهم عليه الصلاة والسلام خاصموا صالحاً عليه السلام لكن الذي كان سبباً لحلول الإهلاك بهم هو ذبحهم للناقة، لم يذكر، أما فرعون فذكر لنا القرآن الكريم كيف واجه موسى عليه السلام بجيوشه وبملاحقته ومتابعته وبمن معه، فهذا الترتيب إذاً روعي فيه ما يتعلق بشدة الخصومة والتعنت والتجييش والتحزب والمواجهات بشتى أنواعها فروعي هذا الترتيب ولذلك فالسياق القرآني هو الذي يؤكده، قبل هذا الموضع ورد "جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب" هنا وصفهم قال "أولئك الأحزاب"، مثل هذا وأعجب منه في سورة ق لكن عسى أن يكون في مناسبة أخرى بإذن الله تعالى، هذا تدبر عظيم جداً وعميق.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- سبب ذكر قصة ثمود بعد سليمان في سورة النمل دون عاد سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- محاجة الكفار للرسل بإنزال الملائكة في القرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل كان طوفان نوح شاملا للأرض كلها أم خاصا بقومه سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- التوفيق بين آيتي الإسراء والصافات في ذرية نوح عليه السلام سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- من هو تبع وسبب ذكره في القرآن مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي