نلاحظ في مواضع من القرآن الكريم أن الذين كذبوا برسلهم كقوم نوح وعاد وثمود يحاجون رسلهم بإنزال الملائكة، وكذا نجد في حوار فرعون مع سيدنا موسى عليه السلام "فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين"، وهو ما نجده عند كفار قريش أيضا حيث جعلوهم إناثاً كذباً من عند أنفسهم، ومن المعلوم أن العلم بخلق الملائكة لا يعلم إلا من طريق الوحي، فكيف علم هؤلاء المشركون بخلق اسمه الملائكة؟ أم هو بقية من علم الأنبياء السابقين؟
الإجابة
الحقيقة أن السؤال عميق ومهم، وقد أشار هو إلى الجواب باختصار وهو أن هذا إنما هو مما يؤكد أن الأصل في البشرية الدين والتوحيد والعبودية لله تبارك وتعالى، وبهذا نفهم كيف كان لقوم نوح عليه السلام وهم يكذبونه كما حكى ربنا تبارك وتعالى في المؤمنون حكى قولهم "لو شاء الله لأنزل ملائكة"، هنا اعتراف منهم بحقيقتين أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، ثم الحقيقة الثانية تسمية الملائكة، ومن الحقيقتين تتولد جملة من الإيمانيات التي يجحدونها وهو أن الله تبارك وتعالى قادر وأن الملائكة يختلفون عن بني البشر وأن لهم قوى وملكات غير قوى البشر وملكاتهم، هذا ما تأتى لهم إلا من ميراث النبوات منذ آدم عليه السلام إلى سيدنا نوح، فلما انحرفوا في هذه المعتقدات التي جاء بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جدد الله تعالى لهم إرسال الأنبياء والرسل ليحيوا فيهم معاني الإيمان والتوحيد والعبودية لله تبارك وتعالى، وهذا يدحض ما عليه كثير من الماديين اليوم سواء كانوا من أبناء جلدتنا أو من غيرهم الذين يزعمون أن الإنسان الأول كان مشتتاً لا دين له باحثاً عن هدايات ويصور بصورة المتوحش البربري الذي لا يعرف شيئاً ولا يهتدي سبيلا، آيات كتاب الله عز وجل ناصة أن آدم عليه السلام وقد أسجد الله تبارك وتعالى له ملائكته وأن أبناءه كانوا من بعده على هذا الدين، وهكذا جاء ذكر من الأنبياء شيث وذكر إدريس قبل نوح عليه السلام، بل قيل بين نوح عليه السلام وآدم عشرة قرون كانوا فيها على التوحيد، فلما انحرف هؤلاء القوم بعث الله سبحانه وتعالى من يجدد لهم معالم الدين، فالخلاصة أن قوم نوح أخذوا ذلك مما تواترت به أخبار النبوات، أي أنه أثر من آثار الوحي من آثار وحي الله تبارك وتعالى الذي جاء به الأنبياء والرسل جميعاً، وهذا الأمر يصدق أيضاً إذا نظرنا في قوم عاد وثمود فإن الله تبارك وتعالى أيضاً قص لنا في فصلت "قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة"، أيضاً قالوا نفس القول، فهذا يعني أنهم أخذوه من ميراث النبوات السابقة، ولذلك فإن بعض أهل العلم لا سيما من حذاق المفسرين يقولون بأن هذا الذي جاء به الأنبياء والرسل من هذه الحقائق الإيمانية المتعلقة بالغيب صار عقيدة ضرورة في بني البشر، ولذلك فإنهم لا يجادلون فيه وإنما يشككون في دعوات الأنبياء والرسل، فقوم نوح على سبيل المثال زعموا أن البشر متساوون ولذلك لا يمكن أن يكون رسول من بني البشر، واعترضوا على نوح عليه السلام أنه لا بد أن يكون من الملائكة وأن الله تعالى لو شاء لأنزل ملائكة، وكذا الحال بالنسبة لقوم عاد وقوم ثمود فإنهم ما أخذوا ذلك إلا مما وصلهم من أخبار الوحي عبر الأنبياء والرسل وما تواتر من أخبارهم وأنبائهم إليهم فصار عقيدة بالضرورة، فلا يجادلون فيه وإنما يستعملونه للرد، ثم اتخذوا هؤلاء الملائكة من بعد اتخذوهم شفعاء وسموهم ونسبوهم إلى الأنوثة وقالوا فيهم ما قالوا، أما في دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام فالأمر أوضح أن أهل مكة الذين اتخذوا الملائكة إناثاً وتقربوا إليهم ليقربوهم إلى الله تبارك وتعالى فإنما أخذوا ذلك أيضاً من دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام التي هي أيضاً امتداد لدعوة الأنبياء والرسل قبلهما، إذاً لا يمكن التفسير إلا بمثل هذا الوجه، ومن زعم بأنهم إنما أخذوه من لسان أنبياءهم ورسلهم ليحاجوهم به فمعنى هذه الشبهة أن هؤلاء الأقوام ردوا على الأنبياء والرسل بما جاؤوهم به، فهم لا يؤمنون به وإنما هم يحتجون عليهم بقولهم فأخبروهم بأن الخالق هو الله تبارك وتعالى وأن له خلقاً يجب الإيمان بهم وهم الملائكة فقالوا إذاً لم لا يرسل الله ملكا؟ فهذا أيضاً لا يستقيم لأنهم هم أحوج ما يكونون إلى نقض الدعوة من أصلها، ولذلك فإن وهذه دعوة تساوي البشر وأنه لا يمكن أن يخص أحد منهم بالرسالة باقية إلى يومنا هذا، هذه يعني مما يوهمون به عامة الناس، لكنهم لا يشككون في الحقيقة نفسها ويطلقون الاسم، كانوا سيقولون كما زعمت، كانوا سيقولون كما تدعي، كما تفتري إلى غير ذلك مما لا يدخرونه في عداوتهم للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ويلحق هذا من باب الاستطراد باختصار أن السماوات سبع فإننا نجد أن خطاب نوح عليه السلام لقومه فيه إقامة الحجة عليهم ببيان بعض الآيات في هذا الكون أن السماوات سبع ولم يعترض أحد منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا في مثل هذه القضية، ولذلك قالوا بأن هذا من الإيمان الفطري الضروري، ومن أين اكتسب إنما اكتسب مما تواترت به دعوات الأنبياء والرسل وهذا يؤكد ما أكده القرآن الكريم "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" أي كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله، هذا والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.