سبب استخدام الفعل الماضي في قوله أتى أمر الله

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-03

السؤال

لماذا استخدم الفعل الماضي في قوله تعالى: (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) مع أن الأمر لم يتحقق بعد؟

الإجابة

في قوله الله تبارك وتعالى في مطلع سورة النحل: (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، أنزل المتوقع حصوله منزلة الواقع الحاصل يقيناً وهذا يصلح له الفعل الماضي، وهذا أسلوب في العربية معروف وهو إنزال ما يتوقع حصوله مستقبلاً منزلة الواقع فعلاً للدلالة على أن المتوقع حصوله واقع قطعاً لا محالة ولا ريبة ولا شك في وقوعه وحصوله وكأنه قد حصل، فهذا من بلاغة كلام الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وهو استعمال الفعل الماضي للدلالة على الوقوع والحصول لأمر مستقبلي، بدليل أن الآية نفسها قالت (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وهذا التركيب وهو النهي عن الاستعجال دليل على أن أمر الله تبارك وتعالى لما يقع بعد، ولكن استعمال صيغة الماضي لتأكيد أنه حاصل لا محالة واقع وإن كان سيقع ذلك في المستقبل لكن لا ريب في حصوله ولا شك في أنه واقع. والآية الكريمة فيها جملة من الصور البلاغية التي قد لا ينتبه لها الناس، منها إسناد الأمر إلى الله تبارك وتعالى ففي ذلك تعظيم وتخويف للمخاطبين، وفي صدارة أغراض سورة النحل هو الوعيد للمشركين وبيان عاقبة أمرهم إن استمروا على الشرك والطغيان، ولذلك ناسبت هذه المقدمة لأنه في سياق الوعيد لا بد أن يكون ما يتوعدون به مقطوعاً بحصوله وأن الأمر كله بيد الله تبارك وتعالى الذي لا ريب في حصول ما يتوعد به عباده كما لا شك في ما يعد به عباده الصالحين، ولذلك قال (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ) ثم نهي عن الاستعجال (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ). وهذا ملمح لطيف ذكره بعض المفسرين أن هذا النهي يمكن أن يقصد به التسوية، أي أن استعجالكم لأن السياق سياق وعيد فإن استعجالكم لا يغير في هذه الحقيقة شيئاً، يسمى التسوية كما أن الأمر يأتي للتسوية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فسواء، فالنهي كذلك هذا هو المعنى اللطيف لأنهم لم يذكروا معنى التسوية في سياق النهي لكن كما قلت بعض المفسرين لا يحضرني اسمه الآن يقول بأن من معاني النهي أيضاً التسوية، فإن استعجالكم أو عدم استعجالكم سواء، لا تغير من هذه الحقيقة اليقينية الثابتة من وقوع أمر الله تبارك وتعالى وإتيان أمره جل وعلا لا تغير شيئاً. فهذه بعض اللطائف المحتفة بهذا الموضع فقط من الآية الكريمة حتى لا نطيل كثيراً، هناك من المفسرين من يقول بأن إتيان أمر الله عز وجل بمجيء مبادئه بمجيء مقدماته وعلى هذا فإن معنى قوله (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ) أي هذه العلامات والمقدمات التي حصلت فعلاً، فهؤلاء ليسوا في حاجة إلى أن يقولوا بأن هذا الأمر أمر مستقبل أي أنزل ما سيقع منزلة الواقع باعتبار حصول مبادئه وحصول مقدماته، ومنهم من يقول بأن معنى الإتيان هنا (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) الفارق بين القول الأول والقول الثاني حتى نزدلف إلى القول الثالث، أن القول الأول يقول بأن أمر الله تبارك وتعالى يقع مستقبلاً لكن استعمال الفعل الماضي هو بمعنى أنه حاصل فعلاً وواقع دون مرية لأنه من عند الله تبارك وتعالى فلا مجال للارتياب فيه أو الشك فأنزل الحدث المستقبلي منزلة الحدث الماضي الذي وقع فعلاً، وأما القول الثاني فإنه يقول بأنه باعتبار أن مقدماته قد حصلت فقد أتى أمر الله، والقول الثالث هو باعتبار الأسباب أن أسبابه قد قامت بإنزال الكتاب وبإرسال نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاءكم به من النذر وبإرساله نذيراً وبشيراً فإن هذه الأسباب كلها قد قامت فإذا قامت الأسباب قامت المسببات، وكلها حسنة لكن الذي يرجح القول الأول هو أن التفريع (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) هذا تفريع بحرف الفاء فلأنه نهي عن الاستعجال نهي دخل على الفعل المضارع فهذا يدل على أن أمر الله تبارك وتعالى لما يقع بعد والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

سبب استخدام الفعل الماضي في قوله أتى أمر الله
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي