السؤال
ما السر البلاغي وراء حذف النون في الفعل «تك» في قوله تعالى: {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ} من سورة النحل، وإثباتها في موضع آخر {وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ} من سورة النمل رغم تماثل السياق اللفظي للآيتين؟ وهل لهذا التباين دلالة على تفاوت شدة الضيق أو اختلاف طبيعة المكر الذي حيك ضد النبي صلى الله عليه وسلم في كلا الموقعين؟
الإجابة
الجواب هذه المسألة تعرض لها بعض المعاصرين أكثر من تعرض المتقدمين من المشتغلين بتفسير كلام الله عز وجل ومن المشتغلين بإظهار الوجوه البلاغية للنظم القرآني، والسبب يرجع إلى أن الآيتين في موضعين مختلفين ووردتا -أي وردت الآيتان- في سياقين مختلفين وإن كان التوجيه فيهما متقاربا إلا أن السياقات مختلفة. والأصل أنه ينظر إلى المتشابهات إذا كانت في موضع واحد أو إذا كانت في سياق متفق أو متقارب إلى حد بعيد، حينئذ يبحث عن النكتة البلاغية في وجود فرق بالحذف أو بالإثبات في كلمة أو في صيغة كلمة سواء كانت فعلا أو اسما، هذا هو الأصل. لكن لا مانع من البحث عن السبب في اختلاف صيغة الفعلين في الموضعين من سورة النحل وفي سورة النمل. ففي سورة النحل ربنا تبارك وتعالى يقول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنَّ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} حذف النون هنا. خير من رأيت ممن تعرض لسر الحذف في هذه الآية الكريمة الإمام الزركشي في البرهان، قال القصة هنا فيها طول فناسب التخفيف بالحذف أي في سورة النحل، وهذا كلام وجيه، أي أن السياق والتوجيهات الواردة في سورة النحل فيها قدر من الإطالة، ولذلك المناسب لمثل هذه الصيغة أن يحذف حرف النون من الفعل «كان» في سياق النهي، وبالمناسبة هذا وجه جائز يعني الوجهان لغة جائزان الإثبات والحذف، {فَلَا تَكُ} و {وَلَا تَكُن}. إذن هذا هو السر في حذف النون في سورة النحل. في سورة النمل ربنا تبارك وتعالى يقول: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلَا تَحْزَنَّ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} ليس في هذه الآية توجيه بالتصبير وليس هناك تفاصيل لما يفعله هؤلاء لما كان يفعله ويمكر به المجرمون، قال {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} بشكل عام، هذا الإجمال أيضا يعني أن هناك غوائل وأن هناك كيدا يكيده هؤلاء وأن هناك أقاويل يتداولونها فيما بينهم، فجاءت على سبيل الإجمال فهو سياق فيه إيجاز فهنا ناسبه أن تثبت النون لا حاجة إلى الحذف لأن السياق موجز، فمن حيث الصناعة البيانية البلاغية لا ضير في إثبات النون لأن السياق موجز مختصر، وإن كان معناه يشمل كل ما كان يمكر به المجرمون مما دعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون إلى الاعتبار به والاتعاظ منه والحذر منه. إذن هذا هو أفضل الوجوه. ذكر أيضا البقاعي في نظم الدرر وجها آخر حسنا، وهو أن خاتمة النحل تهيئة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسورة الإسراء، فأراد ربنا تبارك وتعالى توجيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفي كل ضيق لأن حذف النون في النهي أبلغ في الدلالة، حتى لا يعترض أحد ويقول بأن الزيادة في المبنى هي زيادة في المعنى، هذا في الإثبات، الآن في حالة النفي العكس يحصل، فأراد ربنا -أي معنى كلام البقاعي- أراد ربنا جل وعلا توجيه رسوله الكريم تهيئة له لحادثة الإسراء وما سينعم عليه ربه تبارك وتعالى به من استلال كل أسباب الضيق والكدر والحزن فلذلك جاءت الصيغة أبلغ والبلاغة كانت بالحذف هنا. أما في النمل فلأن السياق سياق إجمال لكل ما يمكن أن يتصور مما يفعله المجرمون وما يكيدون به للدعوة ورسولها صلى الله عليه وآله وللمسلمين وما يحدثونه من غوائل وفتن ومكايد، فالنون فيها معنى السكون يعني إثبات النون فيها معنى الاستقرار والسكون، فكان هذا السياق دالا على أن المقصود هو النهي عن التمادي في الضيق والحزن لأن استلال كل ما يمكن أن يحدثه فعل المجرمين من أقاويل ومكايد وغوائل عسير، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى وهذا مما استشهد به البقاعي قال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} فهذا قدر لا يمكن اتقاؤه، فأراد ربنا جل وعلا أن يرفع الحرج عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنك في هذا القدر الذي يعسر اتقاؤه لا حرج عليك، وإنما المقصود هو النهي عن التمادي في الضيق والكدر فناسب هذا السياق إثبات النون والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- معنى الصبر والاستشراف للمستقبل في سياق آية أتى أمر الله سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سبب استخدام الفعل الماضي في قوله أتى أمر الله سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- السر البلاغي في "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سبب فتح همزة إن في آية سورة الحج سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير اختلاف العتاب في "عفا الله عنك" و"يا أيها النبي لم تحرم" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي