السؤال
ما معنى عبارة "القرآن حمال أوجه"؟ وهل يسوغ تفسير القرآن تفسيرات تخصصية إضافة إلى الفقهية والعقائدية كالتفسير الاقتصادي والتربوي والاجتماعي والسياسي؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم أما بعد فالجواب هو أن هذه المقولة تنسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه ولكن لم أجد لها ذكرا في شيء من المصادر المعتبرة ولم أجد أحدا من المفسرين استأنس بها أو ذكرها أو اقتبسها أو استشهد بها ولم أجد أحدا ممن اطلعت عليهم ممن كتب في علوم القرآن ذكر هذه المقولة أو أشار إليها من قريب أو من بعيد فبناء على كون المقولة هي مما وضعه الناس فالأصل أن يطالب قائلها أو مستعملها بتفسير لها ثم ينظر بعد ذلك في تفسيرها ومدى اتفاقه أو اختلافه مع القواعد المرعية والأصول التي يعول عليها في تفسير كلام الله عز وجل ذلك أن العبارة موهمة وغالب من يستعملها إنما يريد بها إضفاء سيولة في معاني كتاب الله عز وجل غالب من يستعملها من المعاصرين يستعملونها في سياق نزع هيمنة القرآن الكريم وزعزعة مرجعيته ومركزيته في تشكيل البناء الإسلامي فيستعملونها لأجل إضفاء معان متعددة حيث لا تحتمل لا يحتمل السياق والتركيب القرآني وجود معان لا اللغة تسعف على ذلك ولا سياق الآية الكريمة ولا النظائر في كتاب الله عز وجل ولا مقاصد القرآن الكريم يمكن أن تعين على تلك الوجوه التي يشير إليها فهناك محاذير في صدارتها ما أشرت إليه من تسييل المعنى وعدم وجود معنى واضح محدد محكم في كتاب الله عز وجل والمحذور الثاني هو نزع هيمنة القرآن الكريم نزع مرجعية القرآن الكريم ومصدريته بحيث يكون فضفاضا ليس هناك فهم صحيح ولا تفسير واحد يمكن أن يحتكم إليه وفي هذا تعطيل لمرجعية القرآن الكريم نفسه وهذا أمر بالغ الخطورة فهناك قواعد تحكم النظر في كتاب الله عز وجل وتحكم التعامل مع آياته تفسيرا وتدبرا واستنباطا هذه القواعد تقوم أول ما تقوم على كون كتاب الله عز وجل أنزل كما قال ربنا جل وعلا بلسان عربي مبين وتقوم بعد ذلك على ما يتصل بكون القرآن الكريم مشتملا على آيات محكمات وآيات متشابهات وحيث وجد المتشابه فإنه يرد إلى المحكم من الكتاب العزيز نفسه ويستند أيضا إلى قواعد هذه القواعد هي القواعد الأصولية وقواعد اللغة وأسباب النزول وعلوم القرآن الكريم ومعرفة الناسخ والمنسوخ ومعرفة ضوابط أصول الفقه والمصطلحات التي يستعملها المفسرون فكل ذلك هو الذي يحكم تفسير كلام الله عز وجل النظر فيه بالاستنباطات والنتائج أما أن يجعل كلاما فضفاضا وأن يؤتى بوجوه بعيدة متعذرة لا يحتملها السياق ولا تقبلها اللغة وتطرح سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا من العبث الذي لا يصح في كتاب الله عز وجل ولذلك يجب الحذر في التعامل مع مثل هذه المقولات نعم إن كان هناك ما يتصل بقواعد اللغة التي تسمح بوجود تأويل قد يكون تأويلا قريبا وتأويلا بعيدا وتأويلا مقبولا فهذا نعم مما يحتمل وجوها لكن هذا لا نجده في كتاب الله عز وجل إلا في مواضع ربنا جل وعلا يقول "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" هل القروء بمعنى الحيض أو بمعنى الأطهار وجوه نعم هنا يحتمل وجوها ورأينا في مواضع كثيرة أنه حتى في حروف المعاني التي ترد في آيات الكتاب العزيز يتسع المعنى يتسع معنى الآية الكريمة ويتكامل مع سائر المعاني ولا يناقضها ومع سائر القراءات المتواترة ولا يناقضها أيضا بوجوه متعددة من معاني تلك الحروف وهذا له أمثلة كثيرة ولعلنا تعرضنا في مناسبات عديدة لأمثلة منها فلسنا بحاجة إلى الترجيح لأن تلك الوجوه متكاملة وهي كلها صحيحة يشهد لها السياق بالصحة والتركيب اللغوي يشهد لها وقواعد اللغة تشهد لها ولا تعارض شيئا من الأصول التفسيرية فبهذا المعنى نعم يمكن أن نقول بأن الآية الكريمة تحتمل وجوها وهذه الوجوه مقبولة حسنة صالحة في هذا السياق أما أن يوصف كلام الله عز وجل أن يوصف القرآن الكريم بأنه حمال وجوه فهذه العبارة موهمة يعني لنأخذ سورة الإخلاص على سبيل المثال "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" ما هي هذه الوجوه التي يحملها القرآن "فاعلم أنه لا إله إلا الله" ما هي الوجوه "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل" "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" لو أردنا مثالا من الأحكام الشرعية التي يأتي بعض المعاصرين اليوم ويوهمون الناس أنها تحتمل وجوها إذا بها تناقض كل القواعد من قواعد اللغة نحوا وصرفا وبلاغة وبيانا وتناقض قواعد التفسير من مثل قوله تبارك وتعالى "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" جزء من آية كريمة قليلة الألفاظ لكن فيها من المؤكدات اللغوية ما لا مزيد عليه لا يعرفها إلا من يحسن العربية بقواعدها بنحوها وصرفها وتراكيبها وبلاغتها فلا يأتي أحد ويقول هذه الآية تحتمل وجوها أي وجوه تحتمل الآية واضحة بأكمل ما يمكن أن تؤديه من معنى مستنبط منها وهو لزوم الحجاب في النساء المسلمات وأن يسترن به رؤوسهن ثم يدلينه على نحورهن وصدورهن وأكد بمؤكدات لفظية لا مزيد عليها "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" فلا تحتمل وجوها وهكذا سائر "وقل للمؤمنات يغضضن" صدر الآية "يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن" يأتوا أحد ويزعم دعوى المساكنة والله تبارك وتعالى يأمر في هذه الآية كما في مواضع أخرى من كتاب الله عز وجل بحفظ الفروج وبمنع قربان الفواحش فهذه المقولات هذه بعض أمثلة جاءت هكذا لأجل التحذير من الانجراف وراء مثل هذه المقولات دون تمحيص.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- جواز التفسير الاقتصادي والتربوي والاجتماعي للقرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل يكفي النظر في كتب التفاسير عند الاستشهاد بالآيات سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ضابط الاستشهاد بآيات القرآن على الأحداث المعاصرة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- استخراج الحقائق العلمية من القرآن الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم استخدام ألفاظ القرآن الكريم في الكلام العادي دون تحريف سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي