السؤال
أبو عماد الخروصي يقول في قوله تعالى "وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" السؤال وجه الاقتصار وأسبابه وهل يمكن حمل الآيتين على الذين يمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستدلال بها؟
الإجابة
نعم، في قول الله تبارك وتعالى "وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، الآن هذا المشهد الأمة هنا الجماعة من بني إسرائيل على إثر قضية السبت المذكورة في كتاب الله عز وجل المعروفة، فجماعة من بني إسرائيل تخاطب جماعة أخرى، هذه الجماعة المخاطبة تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لبعض قومهم الذين خالفوا في أحكام الله عز وجل وحدوده وشرعه من بني إسرائيل. يقولون لهم "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا"، فأجاب هؤلاء القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي نفعل ذلك اعتذاراً إلى الله تعالى ليكون فعلنا هذا عذراً لنا عند ربنا جل وعلا "وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، ولعلهم يتقون أي أولئك الواقعون في مجاوزة حدود الله تبارك وتعالى وانتهاك شرعه. أنا وقفت عند هذه الآية الكريمة لأن هناك قولاً عند بعض المفسرين أن السياق يتحدث عن فرقتين فقط، وأن هؤلاء الذين تحدثوا مخاطبين للناهين عن المنكر هم الواقعون في تعدي حدود الله عز وجل فكأنهم يسخرون بهم أنكم تتوعدوننا بعذاب فلمَ تعظوننا؟ لكن ختام الآية يدل على أن المخاطبين هؤلاء ليسوا هم الواقعون في تعدي حدود الله عز وجل لأن هذا الفريق هذه الجماعة الناهية عن المنكر قالت معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ولم تقل ولعلكم تتقون. إذن عندنا ثلاث جماعات: هذه المخاطبة التي يفهم منها كأنها تعاتب هؤلاء الذين الجماعة الثانية وهم الناهون عن المنكر، والجماعة الثالثة المعنية محل الحوار هي الواقعة في تحدي الله تبارك وتعالى بانتهاك حرماته وحدوده. ثم تأتي الآية الكريمة بعدها في قوله جل وعلا "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ" إذن من الذين نجاهم الله تبارك وتعالى؟ الذين تحدث عنهم نصاً قال الذين ينهون عن السوء، "وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" هذه هي الجماعة الثانية المعنية محل الحوار بين الجماعتين، هم الذين ظلموا ونسوا أمر الله تبارك وتعالى وتخطوا حدوده، قال وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون سماهم ظالمين ووصفهم بأنهم كانوا يفسقون. هنا اختلف المفسرون، هل الجماعة التي عاتبت المخاطبة للجماعة الناهية عن المنكر هي ممن نجوا من الجماعة الناجية أو من الجماعة الهالكة؟ خلاف قولان شهيران، والحقيقة أن أكثر المفسرين أنهم مع الناجين، أكثر المفسرين، وينسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثلاثة أقوال في المسألة فشغلته المسألة، يقال أشهر قول إليه أنه رأى أنهم ليسوا بناجين وإنما كانوا مع الهالكين حتى راجعه عكرمة مولاه فبين أو أخذ برأيه من بعد وسري عنه، ونسب إليه أنه يرى أنهم مع الناجين ونسب إليه التوقف. هذه ثلاثة أقوال، فقول وهو قول الأكثر بل يكاد يكون قول الجمهور أنهم مع الناجين، وقول لطائفة من حذاق المفسرين أن النجاة اقتصرت على الذين كانوا ينهون عن المنكر وكانوا يعظون أولئك المعتدين الفاسقين المتعدين لحدود الله تبارك وتعالى دون من سواهم، وهذا القول يعني أن هذه الطائفة كانت من الهالكين والعياذ بالله يشهد له في كتاب الله عز وجل قوله تبارك وتعالى في غير هذا الموضع لكن عن بني إسرائيل وأحوالهم "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ" فعدم تناهيهم عن المنكر كان سبباً للعنة الله تبارك وتعالى لطردهم من رحمة الله عز وجل. وقول ثالث بالوقوف، والوقوف هنا قد يكون أكثر إقناعاً لأن هؤلاء سكت الله تبارك وتعالى عنهم ويبدو أنهم أصناف، فمنهم من لم يترك إعراضاً عن أمر الله عز وجل بالنهي عن المنكر لم يفعل ذلك تهاوناً وإعراضاً عن أمر الله عز وجل وإنما فعل ذلك لبلوغه حد اليأس من استجابتهم وانتظار حلول عقوبة الله تعالى بهم، ولذلك قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ويفهم من كلام الشيخ القطب رحمه الله تعالى أنه يميل إلى هذا، الوقف، أنه يميل إلى أن من هؤلاء من لم يترك إعراضاً وتهاوناً عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهم فيما يظهر أنهم يمكن أن يكونوا أصنافاً فكل صنف بحسبه ولذلك فالوقوف أسلم، وإلا فأقرب الأقوال هو أن النجاة اقتصرت على الذين سماهم الله تبارك وتعالى فقط بدليل الآية الكريمة التي وصف الله عز وجل فيها أحوال بني إسرائيل وأنهم بتركهم للتناهي عن المنكر استحقوا لعنة الله عز وجل هذا والله تعالى أعلم. نشكر وإياكم فضيلة الشيخ الجليل الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عمان، نشكركم أيضا ونلقاكم غداً بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- تفسير قوله تعالى معذرة إلى ربكم مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- واجب الآمر بالمعروف بعد نصح المخطئ فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكمة رفع عذاب الاستئصال عن هذه الأمة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير آية وأما بنعمة ربك فحدث وشروط التحدث بنعم الله سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير آية الأخسرين أعمالاً وهل تشمل المسلم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي