السؤال
هنالك من يشكك في قصة أصحاب الفيل باعتبار أن الجزيرة العربية لا يوجد فيها فيلة، وهناك من يفسر سورة الفيل وإلقاء الطير الأبابيل الحجارة بتفسير يراه هو الموافق لقوانين الحياة وأن إلقاء الحجارة عبارة عن سرعة الانطلاق، فما قولكم فيها؟
الإجابة
القرآن الكريم وصلنا بطريق متواتر بل في أعلى درجات التواتر، فلا يعلم شيء من الأخبار أو النصوص وصلنا متواترا كالقرآن الكريم، حتى الأحداث التي تقع في أزمنة قريبة منا لا تصلنا متواترة كما وصلنا القرآن الكريم. فالقرآن الكريم تلقاه الصحابة الكرام مباشرة من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي فيهم يتلو القرآن ويعلمهم القرآن، والصحابة عدد كبير فاقوا المئة ألف، وهؤلاء نقلوه إلى التابعين وعدد التابعين أكثر من عدد الصحابة لاتساع الداخلين في الإسلام، ثم انتشر الإسلام وعدد المسلمين في ازدياد والقرآن الكريم يقرأ في البيوت وفي الصلوات وفي الجلوات وفي الخلوات ويكتب، وعني المسلمون به عناية فائقة بقراءته حرفا حرفا وبضبط حركات حروفه وكيفية النطق بل حتى بضبط الإشارات في بعض الحروف أنها تصحبها إشارة الإشمام مثلا، مما يدل على العناية الفائقة البالغة التي صاحبت وصول القرآن الكريم إلينا. فلما كان القرآن من عند الله وكان قطعيا وقد تحدى العالمين أن يأتوا بمثله ولا زال التحدي قائما ومستمرا إلى يوم القيامة، فمعنى ذلك أن قصة أصحاب الفيل واقعة قطعا لا شك فيها، حتى لو لم نجد من الآثار ومن الدلائل التاريخية ما يدل على حصولها؛ لأن التاريخ لم يصلنا كله ولم ينقل بنقل آحادي صحيح متصل، وإنما أكثر الأخبار التاريخية هي مرويات لو أراد الإنسان أن يسبرها وأن يتحقق من صحتها لربما لم يصل إلى دليل جازم. ولذلك انتحى أهل العلم في الروايات التاريخية أنه يتسامح في قبولها ما لم تحمل أحكاما شرعية أو تخالف ما هو أصح منها؛ لأن الناس لم يعنوا بالأسانيد الصحيحة والروايات التاريخية وإنما عنوا أكثر ما عنوا بمواطن الأحكام وما يتعلق بدين الله عز وجل. ولذلك حتى لو لم توجد أي آثار تاريخية تؤيد هذه القصة لكفانا أنها مما أخبرنا الله به وثبت عندنا قطعا أنه من كلام الله. وعدم وجود الفيلة من حيث الأصل في الجزيرة العربية لا يدل على عدم إمكان إدخال الفيلة إلى الجزيرة العربية، ففي هذا الزمن الجزيرة العربية توجد فيها فيلة، تربى في الحدائق أو في أماكن خاصة أو يؤتى بها لغرض ثم تخرج من الجزيرة العربية، هذا أمر واقع مع أن الجزيرة العربية ليست موطنا للفيلة. فمن غير المستغرب أن يؤتى بفيل وأن يدخل الجزيرة العربية ولو خرج منها بعد ذلك. وأطمئن السائل بأنه قد وجدت آثار تاريخية ذكرها علماء التاريخ والآثار والنقوش تدل على أن الفيلة أدخلت إلى جزيرة العرب، سواء من جهة بلاد الحبشة أو من جهة بلاد فارس، وأن العرب كانت تعرف الفيلة وكان معهودا معها استعمال الفيلة في الحرب طبعا من غير العرب. واستعملها المسلمون في بدايات الإسلام في الحروب التي وقعت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب كان للفيلة حضور في بعض هذه المعارك. ومن الناحية العقلية لو كانت الفيلة لا تعرفها العرب ولم توجد في الجزيرة العربية أكان الله تعالى سيخاطبهم بقوله "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل"؟ وماذا يتوقع أن تكون ردة فعلهم لو كانوا لا يعرفون الفيلة ولم يعهدوها أما كانوا سيسارعون إلى تكذيب هذه القصة من أصلها وإلى جعلها محل استهزاء وسخرية وتنذر وهم يبحثون عن أدنى زلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتسليم العرب الأقحاح الذين عايشوا نزول القرآن لهذه القصة ولم يشككوا فيها من أقوى الأدلة على أنهم علموا صحتها وقبولها. والعرب كانوا أذكى وأعقل من هؤلاء الذين يحاولون أن يشككوا في القرآن وفي أخباره، تارة بأنها مخالفة للتاريخ وتارة بوجود ما يزعمون من أخطاء لغوية وتارة بكذا وتارة بكذا، العرب كانوا أعقل من هؤلاء، فإنهم أدركوا أن هذا الكلام ليس من كلام البشر واتجهوا إلى مقاومته ومعارضته بالسنان لا باللسان لأنهم وجدوا أنفسهم عاجزين وأنهم سيفضحون أنفسهم وسيبقون ذكرى في التاريخ لو حدثتهم أنفسهم أن يعارضوا القرآن وهم متيقنون أنهم عاجزون عن معارضته. أما هؤلاء فالذين يحاولون أن يثيروا هذه الشبهة فعجزوا عن معارضة القرآن ولذلك يثيرون هذه الأمور التي لا تقف ساعة أمام قوة النص القرآني وطريقة وصوله إلينا. هذا فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال. أما الشق الثاني وهو ما يتجه بعض الناس الذين يحاولون أن يفسروا القرآن الكريم تفسيرا ماديا يتوافق مع ما يزعمونه من القوانين المعتادة ويريدون أن يفرغوا القرآن من أن يكون أخبر بأمور خارقة للغيب، فنقول لهؤلاء بأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وأخبر عن أمور خارقة مخالفة لمعتاد الناس بلسان واضح لا يحتمل التأويل، وبما أن النص من عند الله فالواجب علينا أن نسلم له. ولو أخذنا نشكك فيما هو مخالف لما جرت عليه سنن الحياة لشككنا في أشياء كثيرة جدا في القرآن وليس في قصة أصحاب الفيل فقط، فسنشكك في قصة خلق آدم كيف يخلق هذا الإنسان من طين ويتحول إلى كائن بشري فيه من الشعور والخصائص والمزايا ما يعجب له الإنسان؟ كيف تخلق الكائنات من لا شيء؟ كيف يخلق الله تعالى الملائكة وهم يعيشون وموجودون ولا يوجد لدينا أي دليل مادي يثبت الملائكة؟ وقل مثل ذلك في الجن. ثم إن قصة أصحاب الفيل ليست بأغرب من قصة أصحاب الكهف، بل قصة أصحاب الكهف أغرب وأبعد من أن تستوعبها العقول لو لم يخبر بها النص القطعي. وهل قصة أصحاب الفيل أشد من انفلاق البحر لموسى عليه السلام بضربة من عصا؟ أو أشد من سلب النار من خصائصها عندما ألقي فيها إبراهيم عليه السلام؟ وقل نحو ذلك في سائر ما أخبر الله تعالى عنه مما هو معجز وخارق للسنن الكونية المعتادة. فقصة أصحاب الفيل هي تجري في هذا المجرى، والذي يتبادر أن قصة أصحاب الفيل هي من أواخر الأخبار أو القصص التي جعل الله تعالى فيها خرقا لسنن الكون المعتادة وأراد الله سبحانه وتعالى بها تثبيت المسلمين وتطمينهم إلى أن ما أخبروا به من الغرائب في القرآن هنالك ما حدث مثيلا له في زمن قريب منهم فيجرون تلك الوقائع على نحو ما عاصروه أو وصلهم مما هو قريب من أزمنتم. ثم بعد ذلك في الغالب لا تحدث مثل هذه القصص لأنها أرادها الله تعالى في أوقات معينة ولظروف معينة لإثبات سلطانه على هذا الكون وأن كل شيء يجري وفق أمره وأنه سبحانه يخرق السنن متى شاء جل وعلا. وتفسير إلقاء الحجارة بأنها جراثيم مثلا أو أنها كناية عن سرعة الانقضاض مناف للنص القرآني فإن الله عز وجل يقول "وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل"، فهذا نص قرآني واضح ويستعمل الألفاظ التي تعرفها العرب وتستعملها فلا يوجد موجب لصرفها عن حقيقتها إلى مجازها إلا استغراب العقول أو محاولة تطويع القرآن أو استرضاء الآخرين الذين يشككون في القرآن، وكل ذلك لا يسوغ صرف الحقيقة إلى المجاز. ومن يشكك في القرآن لا فائدة ترجى من الدخول معه في نقاشات في تفاصيل هذه وإنما يناقش في أصل القرآن وكيف ثبت عندنا القرآن ودلائل إعجازه العظيمة على كون القرآن من عند الله فمتى ما ثبت ذلك تساقطت مثل هذه الأسئلة وإن بقي ذلك الإشكال الأكبر في نفسه فإنه لا يستطيع أن يتخلص ولن يقنع بجوابك عن هذه القضايا العينية لأنه يشكك في الأصل، نسأل الله تعالى أن ينور قلوبنا وأن يثبتنا على دينه وأن يبعد عنا الزلل والخلل وأن يزيدنا إيمانا في إيماننا ويقينا في يقيننا والله تعالى أعلم.
المفتي
فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
تفريغ لجلسات افتاء للشيخ الدكتور إبراهيم بن ناصر الصوافي
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- هل كان طوفان نوح شاملا للأرض كلها أم خاصا بقومه سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- اختزال المعاني في حروف قليلة عند بني إسرائيل سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- القول في الحروف المقطعة في فواتح السور سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل تأكل الأرض أجساد الأنبياء كما أكلت عصا سليمان سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ادعاء أن الحروف المقطعة كلمات بلغات السريانية والآرامية سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي