فهم حديث "لو تعلمون ما في رمضان لتمنيتم أن يكون سنة"

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الصيام 2026-08-01

السؤال

العبادة ليست جانباً روحياً محضاً وإنما لها أبعاد اجتماعية أيضاً تنطلق منها، فماذا عن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث "لو تعلمون ما في رمضان لتمنيتم أن يكون سنة"، ما الذي لا يعلمه الإنسان عن رمضان وهل يمكن تداركه؟

الإجابة

لا ريب وهذا ما نلمسه في منظومة العبادات في هذا الدين الحنيف، لأنها تريد أن تورث هذا المكلف توازناً متكاملاً. التوازن بين مطالبه المادية ومطالبه الروحية والعقلية والفكرية، والتكامل بين كونه فرداً وبين مجتمعه الذي ينتسب إليه، وهذه الأمة التي يظهر عليها تظهر عليها هذه الشعيرة. فالعالم كله يشهد أن أمة الإسلام في شهر معظم عندها، يصوم أفرادها من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس يمتنعون عن كثير من المباح، عن الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان. فهذا له دلالته العميقة في جعل هذه العبادات ليست مجرد ملء لفراغ روحي أو إشباع لرغبات روحية وإنما هي تجديد للفكر، تصحيح للرؤية والنظر، تذكير بالانتساب إلى هذه الأمة، تذكير بالمعاني الاجتماعية المودعة في هذه العبادة، فقد تقلب في أنواع من الصبر وعليه اليوم أن يتفقد الصابرين، هؤلاء الذين يعيشون لأواء هذه الحياة بصنوف أنواع الضنك التي يمكن أن تكتنفهم. فالأبعاد الاجتماعية مع الجوانب المعنوية والفكرية حاضرة في فريضة الصيام كما هي حاضرة أيضاً في صنوف العبادات التي أمرنا بها ربنا تبارك وتعالى. ولذلك فإن من أهم مقاصد الصيام إلغاء ما يمكن أن يكون محذوراً من أن يرتكز المكلف على ذاته، على ما يعرف بـ "الأنا"، إلى أن ينطلق ليكون مؤسساً على مركزية تعظيمه لله تبارك وتعالى، ثم ينبعث من هذا التعظيم لأجل ما يحقق له التوازن لنفسه بما فيها من مكونات، ثم ما يلبي حاجات من حوله اجتماعياً وخلقياً وسلوكياً وإلى آخر ما يمكن أن تحققه هذه العبادات. وهذه المعاني ليست مبتدعة اليوم، نجد أن علماء الإسلام قد تحدثوا عنها لا سيما العلماء الذين يعتنون بجوانب التزكية والتربية وجوانب السلوك فإنهم يذكرون هذه المعاني. كيف يمكن أن يجعل من مثل مدرسة الصيام أن ينتقل به من المعنى الفردي إلى المعنى الكلي؟ كيف يمكن أن ينتقل به من معنى خدمة الذات إلى أن تكون هذه الذات في خدمة ربها تبارك وتعالى ومن أمر الله عز وجل بخدمته من بني ملته ومن بني مجتمعه ومن عموم بني الإنسانية؟ هذه المعاني حاضرة في الصيام. الظاهر أن ما يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا "لو علمتم ما في رمضان من فضل لتمنيتم أن يكون سنة"، هو هذا الفضل العظيم الذي ادخره الله تبارك وتعالى لعباده الصائمين، الثواب الجزيل الذي أعده لعباده هؤلاء الذين يصومون إيماناً واحتساباً، والمنافع التي تعود عليهم في عقولهم، في نفوسهم، في دينونتهم لله تبارك وتعالى، في نظرتهم لهذه الحياة، في نظرتهم لمفردات هذا الوجود، في تعاملهم مع الآخرين من بني ملتهم كما تقدم ومن غيرهم، فإن كل ذلك إنما يؤسس في مدرسة الصيام. ولهذا فإن هذا الحديث يشير إلى مثل هذه المعاني التي يمكن أن يسرح فيها العقل مكتشفاً مكنتها، هذه المعاني التي قد تكون خفية والتي يفقدها بانقطاعه عن الصيام فيتمنى أن لو عاد إلى الصيام. فهذا الذي يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهناك مغانم أخروية وهناك منافع دنيوية يشتمل عليها الصيام فكان من باب الحث والترغيب أن شوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين إلى عظيم فضل الصيام لما يدعوهم إلى إحسان صيامهم وإتقانه وإلى مواصلة العمل والطاعة وإلى استلهام هذه المعاني والحكم من هذه العبادة التي يؤدونها.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

فهم حديث "لو تعلمون ما في رمضان لتمنيتم أن يكون سنة"
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي