تحقيق الصيام للمقصد الروحي والأخلاقي

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الصيام 2026-08-03

السؤال

كيف يمكن للمسلم من خلال الصيام أن يحقق المقصد الروحي والأخلاقي؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد فإن فريضة الصيام اختصها الله تبارك وتعالى بفضائل ولطائف وأودع فيها من الأسرار والحكم ما لا يوجد في غيرها ولذلك قال: 'الصوم لي وأنا أجزي به'. وربنا تبارك وتعالى بين عظيم منزلة الصيام حينما قال: 'يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون'. واختص أو خصه بأفضل الشهور وأعظم المناسبات وهو أنه الشهر الذي حصل فيه أعظم حدث في تاريخ البعثة المحمدية والرسالة الخاتمة وهي إنزال القرآن الكريم ولذلك لما عرف به قال: 'شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن'. فكيفما نظرنا إلى شهر الصيام وإلى هذه الفريضة فإننا سنجد أنها تورث هذا العبد تزكية لا تحققها له سبيل أخرى لأن الصيام عبادة تركية فهو كف وامتناع، إمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فهو عبادة تركية أما سائر الشعائر التعبدية فهي أعمال وأفعال تؤدى، يمكن أن تكون أعمالاً بدنية ويمكن أن تكون أعمالاً مالية ويمكن أن تكون بدنية مالية وهكذا تتفاوت هذه العبادات تزكية لنفس المكلف وارتقاء وتهذيباً بطبعه وسمواً به لكي يكون من عباد الله الصالحين. أما الصيام فلأنه عبادة تركية يحمل معنى الكف والامتناع فإن رياضة النفس فيها أبلغ لأنه يمنع نفسه عما هو في أصله مباح في هذا الوقت المحدد لا لشيء إلا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه'. فالمكلف يفعل ذلك ابتغاء رضوان الله تبارك وتعالى إيماناً وطاعة وانقياداً واحتساباً للأجر منه جل وعلا وحده، فحينما يوجه قصده لله تبارك وتعالى فإنه يتمكن بفرضة الصيام من أن يأخذ بهذه النفس إلى ما فيه رضا الله تبارك وتعالى بعيداً عن أهوائه وشهواته ورغباته بعيداً عن زخارف الحياة الدنيا وما يمكن أن يصرفه عن طاعة الله تبارك وتعالى ليثبت أنه قادر على أن يأخذ بها إلى الصراط المستقيم وأن يترك عادات ألفها وجملة من المباحات كان يظن أنه لا يستطيع أن يتخلى عنها فيتسامى فوق ذلك كله، فيمسك نفسه عن شهواتها، يمسك نظره بصره ولسانه ويده عن كل ما يسخط الله تبارك وتعالى. هذا من حيث ماهية الصيام، أما من حيث الظرف الزمني فإنه سبيل أخرى تحقق للصائم ما لا يخفى من التزكية والتهذيب والارتياض لهذه النفس، ذلك أن شهر رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة فشهر أنزل الله تبارك وتعالى فيه القرآن وهذا أعظم حدث إلى درجة أنه لما عرفنا بشهر الصيام ما عرفنا إلا بهذا الوصف فقال: 'شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن'. ولذلك فإن الصائم يحيا بالقرآن الكريم لأن المسلم في حقيقته إنما روحه القرآن الكريم والقرآن روح هذه الحياة ولذلك فإن اجتهاد المسلم في الحياة مع القرآن وبالقرآن حفظاً وتلاوة وتدبراً وسماعاً يزداد في شهر رمضان، ومن لم يزده رمضان إقبالاً على القرآن فإنه محروم لا يحقق لا تتحقق له معاني الصيام من التزكية والتهذيب وتقوى الله تبارك وتعالى، ومعايشته لكتاب الله تبارك وتعالى في رمضان آناء الليل وأطراف النهار تورثه مزيداً من القرب من ربه جل وعلا، تنعش له نفسه وتجدد له إيمانه وتوقظ فيه مراقبته لله تبارك وتعالى، يتبصر بحقائق هذه الحياة والمنقلب الذي سيؤول إليه وتبين له حقوق نفسه عليه تبين له قبل ذلك حقوق الله تبارك وتعالى عليه ثم حقوق نفسه ثم حقوق الناس عليه بمختلف مراتبهم. وأثر ذلك على نفسه أي الآثار المعنوية إنما هو صقل لهذه النفس إزالة للشوائب التي تراكمت طيلة العام، فإذا به في رمضان حينما يقف في محرابه قياماً لله أو تلاوة لكتاب الله عز وجل في أي ساعة من ليل أو نهار يزيل عن نفسه هذا الغبار المتراكم ويصفي قلبه ونفسه ويشرح صدره لهدايات القرآن فيعيش في نور القرآن ويعيش مع القرآن وبالقرآن لفظاً ومعنى، ليستمد منه ما يعينه في حياته كلها ليراجع به ماضيه وليتهيأ به لمستقبله ولقادم أيامه. وهناك ميزة أخرى أيضاً مما أودعها الله تبارك وتعالى في شهر الصيام وهي أن هذا الظرف الزمني بما يتلبس به العبد من فريضة الصيام ومن تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى فإن الله تبارك وتعالى قد زاده فضلاً آخر وهو إجابة الدعاء، فإن إجابة الدعاء في رمضان أقرب منها في غير رمضان وهذا ما دل عليه سياق الآيات التي ورد فيها بيان أحكام الصيام في كتاب الله عز وجل من قوله جل وعلا: 'وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان'. فأداء تلبس المكلف بالتضرع والتبتل والدعاء لله تبارك وتعالى تورثه طمأنينة نفس وتذللاً لله تبارك وتعالى وحده وإدراكاً لحقيقة أن الأسباب كلها بيد الله عز وجل وأن عليه أن يأخذ بهذه الأسباب مع توكله على الله تبارك وتعالى حق التوكل وأن يلجأ إليه ليكشف عنه كروبه ولييسر له أموره وليفرج عنه ضيقه وليفرج عنه همومه وما يمر به وليستعين به جل وعلا في كل ما يعن له مما يحتاج إليه، فتتدرب نفسه أيضاً على ذلك ويألف ذكر الله تبارك وتعالى والضراعة إليه بالدعاء في كل وقت وحين من رمضان ليكون ذلك مسلكاً له في حياته. فبمجموع هذه العبادات مع ما يرجوه أيضاً الصائم من تحري ليلة القدر في رمضان لاسيما في العشر الأواخر من رمضان فإن هذا يدربه على أن يزداد إقبالاً وأن يزداد عملاً وطاعة وأن يكون في كل يوم تمر منه من رمضان محاسباً لنفسه راجياً أن يكون غده في صيامه وقيامه وعبادته وما يأتي خيراً من أمسه الذي انقضى لـ عسى أن يوفقه الله تبارك وتعالى لليلة القدر التي أودع ربنا جل وعلا فيها أيضاً من الفيوضات والرحمات والبركات ما لا مزيد عليه كما قال في كتابه الكريم خير من ألف شهر وقال سلام هي حتى مطلع الفجر. فكل هذه تحقق للمسلم غايته مما تحتاج إليه روحه ومما يصفي نفسه ويجلو عنها أدرانها ويزكو به خلقاً وعقيدة وإيماناً وعبادة لله تبارك وتعالى ولا شيء يعدل بلوغ مثل هذه المطالب والغايات، نسأل الله تبارك وتعالى أن يكتبها لنا جميعاً.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

تحقيق الصيام للمقصد الروحي والأخلاقي
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي