الفرق بين 'أياماً معدودة' و'معدودات' في البقرة وآل عمران

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-03

السؤال

في سورة البقرة: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)، بينما جاء في آل عمران: (مَعْدُودَاتٍ)، فهل هناك مناسبة قرآنية لاختلاف صيغة هذه الكلمة بين الموضعين؟

الإجابة

ظني أنه نعم يسأل عن استعمال اللفظ المفرد واستعمال صيغة الجمع في الموضعين، ففي سورة البقرة ربنا تبارك وتعالى حكى عنهم {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} بصيغة الإفراد في هذه الصفة معدودة، وأما في آل عمران فجاءت بصيغة الجمع جمع المؤنث السالم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}. ما الذي يفهم من هذا التنوع في استعمال هذه الصفة بين الإفراد والجمع السالم؟ الإفراد في الوصف يدل على الكثرة، وجمع المؤنث السالم أو الجمع السالم يدل على القلة، هذا مما هو مقرر عند علماء اللغة، ولكن قد تستعمل صيغة لعلة بلاغية للدلالة على غير ما وضعت له أصلاً. إذن ما ورد في سورة بناء على القاعدة على اطراد القاعدة ما ورد في آية البقرة {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} هنا الدلالة تدل على الكثرة، وأما ما ورد في سورة آل عمران {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} فالدلالة اللغوية لهذا الوصف القلة، فهذا الذي ندخل منه إلى الجواب تقرير هذه القاعدة أولاً. الآن من حيث المعنى هناك نكتة بلاغية ومن حيث اللفظ هناك نكتة بلاغية. لنأخذ من حيث المعنى: في سورة البقرة عدد لنا القرآن الكريم نعماً كثيرة أنعم بها على بني إسرائيل، وفي مقابل هذه النعم بين وجوهاً كثيرة لإعراضهم وانصرافهم وجحودهم وكفرانهم، عدد وجوهاً من وجوه جحودهم وإعراضهم، حتى ما كان قبل هذه الآية الكريمة {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} فالسياق سياق بيان لوجوه كثيرة من إعراضهم وكفرانهم نعم الله تبارك وتعالى التي عددت أيضاً في السورة الكريمة قبل هذه الآية الكريمة، وعدد ذكر أوجه عديدة من إعراضهم وكفرهم وجحودهم، فناسب ذلك تكثير المدة بقوله {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} لأن كما تقدم لأن الذي عدد من كفرانهم وجحودهم وإعراضهم شيء كثير أكثر مما ورد في سورة آل عمران، ومن أهم الموضوعات في سورة البقرة بيان صفات بني إسرائيل بما أنعم الله عز وجل به عليهم وبما قابلوا به هذه النعم من الكفران والجحود والإعراض، فناسب ذلك ما يتعلق بالتكثير بالوصف الدال على الكثرة أياماً معدودة. أما في آل عمران فإن هذه المذمة وردت في سياق التعليل لما قالوه {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} فالسياق سياق بيان مذمة اتخذوها علة في إعراضهم حينما دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ليس هو سياق تعداد وجوه من الجحود والكفران والإعراض، وإنما في هذه المذمة في هذا الوجه الذي عوتبوا به {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} إذن في سياق هذه المذمة الواحدة فناسبها أن يكون التعبير مناسباً لهذه القلة من المذام والمعاتب التي ذكرت في هذا السياق، مع أنها وردت أيضاً وهذا ينبغي أن يلتفت إليه ما ورد في سورة البقرة ورد من جملة المعاتب والمذام التي كشفت عن طبائعهم وعن خصائصهم وصفاتهم {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} أما هنا فورد على سبيل التعليل ليس هو من المذام نفسها وإنما العلة نفسها مذمة لكن ليس في سياق سرد المعاتب {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} أي هذا الموقف الذي اتخذوه من دعوتهم إلى تحكيم كتاب الله عز وجل اتخذوه بسبب هذا الاستعلاء والكبر ودعواهم أنهم لن يعذبوا إلا أياماً معدودات، فناسب بيان استعلائهم وكبرهم أن يكون ما يدعونه إنما هو تعذيب في أيام قلائل ليس في المدة الأطول، هذا أوجه ما يمكن أن يؤخذ في الجانب في جانب المعنى، هناك أقوال كثيرة عند أهل التفسير لكنني أجد أن هذا الوجه أكثرها إقناعاً. أما من حيث اللفظ، فسياق سورة البقرة فيه آيات كثيرة تبين النعم وما قوبلت به هذه النعم من بني إسرائيل، فهو تعداد لنعم والوجوه التي قابل بها بنو إسرائيل هذه النعم في سياق الإنكار والمعاتبة والإنكار وقدر من كشف جوانب كثيرة من خصالهم وطباعهم، ولذلك فإن هذا التكثير في بيان الصفات يستدعي أن تكون الألفاظ موجزة حتى تستوعب كل صفاتهم وخصائصهم، ولذلك جاءت الألفاظ أيضاً موجزة {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} مع أن دلالتها دلالة هذا الوصف أعمق وأكثر في الدلالة على التكثير. في سورة آل عمران السياق لا يتعرض لبيان وجوه من مخالفات بني إسرائيل ومن وجوه إعراضهم ومن تعداد ما أنعم به عليهم وما قابلوا به هذه النعم لا، هو يتحدث عن هذه القضية ووردت في سياق بيان التعليل لكشف ما وراء هذه هذا الموقف الذي اتخذوه، ولذلك أطال فيها النفس فاستعمل ألفاظاً أكثر يعني بدأ هناك قال {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} في البقرة، هنا قال {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ}، هناك قال {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} هنا قال {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}، ثم أطال يريد أن يلقي ظلالاً لنعيش المشهد لننظر لنتمكن من استيعاب حقيقة موقف هؤلاء فأضاف إلى مقولتهم هذه {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} أضاف إليها {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} يريد أن يلقي ظلالاً أكثر، يريد أن يشبع المعنى في هذه الصورة وأن يعطيه حقه ومستحقه ليتلقى القارئ هذا المعنى في هذه الصورة وكأنه يرى الحدث ويرى بواطن هذه النفوس مكشوفة أمامه والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الفرق بين 'أياماً معدودة' و'معدودات' في البقرة وآل عمران
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي